المبحث
الثالث
العلاقة بين
النقابة والسلطة
لم تحصر نقابة
الصحفيين نشاطها في تسوية النزاعات المهنية أو توفير الرعاية الاجتماعية لأعضائها
وإنما امتد نشاطها لقضايا العمل الوطني والحريات الأمر الذي كان مثار توتر دائم مع
السلطة السياسية في فترات مختلفة وفي ظروف التحولات التقدمية في سورية بدأ يبرز
بوضوح أكثر الاتجاه الرئيسي لتطوير التشريعات الإعلامية نظراً لصلة الإعلام مباشرة
وبصورة تتناسب وتطور المجتمع والدولة والديمقراطية .
ولا سيما بعد قيام ثورة الثامن من آذار
عام 1963 واستلام حزب البعث العربي الاشتراكي الدور القيادي في مجال الإعلام ،
فوضع حداً نهائياً لسيطرة الرأسمال الخاص في مجال وسائل الإعلام الجماهيري[1]التي
كانت تمثل القوى الرجعية وتعبر عنها ومما يدل على هذه الحقيقة أنها ساندت انفصال
سورية عن الجمهورية العربية المتحدة عام 1961 وعبرت عن آرائها بوضوح من أجل إلغاء
التأميم وطالبت بإلغاء قانون الإصلاح الزراعي وباختصار فإن هذه المطبوعات كانت
معمولة لخدمة كبار أرباب العمل والاحتكارات النفطية الدولية .
وليس من المستغرب أن
تتهم القيادة التقدمية في الجمهورية العربية المتحدة بتهم شتى من الاضطهاد والتعسف
والتضييق على الحريات الديمقراطية وكبح المبادرة الفردية والتسلط الإقليمي وحتى
الاغتصاب المباشر للسلطة الأمر الذي دفع بحزب البعث العربي الاشتراكي إلى إغلاق
هذه المطبوعات فور استلامها السلطة واستبدلها بوسائل إعلام جديدة مبدئية في طبيعتها
وموضوعة في خدمة الشعب وموجهة إلى جميع قوى الجماهير الكادحة تتكلم باسمها وتعبئها
لتحقيق أهداف التنمية الوطنية والتي استهدفت تربية المواطنين بروح الوحدة والحرية
والاشتراكية وبعد إغلاق الصحف والمجلات الخاصة استمرت في الصدور فقط صحيفتان في
دمشق هما : البعث الناطقة بلسان حزب البعث العربي الاشتراكي والثورة الناطقة بلسان
الحكومة بعد أن صارت تصدر عن مؤسسة الوحدة للطباعة والنشر إضافة إلى إصدار عدد من
الصحف المحلية في المحافظات عن مؤسسة الوحدة أيضاً وإضافة إلى صحافة الحزب وصحافة
الدولة المركزية والمحلية بدأت تنشأ منذ عام 1963 الصحف والمجلات الصادرة عن
المنظمات الشعبية والاجتماعية الجماهيرية وهكذا بدأ الاتحاد العام للفلاحين يصدر
نضال الفلاحين والاتحاد النسائي العام المرأة العربية واتحاد الكتاب العرب مجلة
الموقف الأدبي واتحاد المهندسين السوريين مجلة المهندس العربي علاوة عن تأسيس عدد
من المطبوعات الدورية المتخصصة في العلوم والثقافة والاقتصاد ومثال ذلك مجلات :
المعرفة والاقتصاد والمحامون والمعلم العربي .
ولعل مثل هذه
التغيرات الجدية في تركيب وسائل الإعلام الجماهيري قد تولدت نتيجة قيام وتطور
النظام السياسي الجديد الذي يبرز فيه حزب البعث العربي الاشتراكي كقوة قائدة
للدولة والمجتمع وكذلك برزت فيه أيضاً المنظمات الجماهيرية التي تأسست من جديد .
وبذلك أضحت وسائل
الإعلام في معظمها تعبر مباشرة عن مصالح المؤسسات الأساسية المشار إليها في النظام
السياسي الجديد وبدأت تلعب دوراً أنشط بكثير من ذي قبل واتخذ نشاطها اجتماعياً
طابعاً آخر وتوجهاً اجتماعياً وسياسياً آخر مختلفاً تماماً عما كان سابقاً.
وبعد قيام الحركة
التصحيحية بقيادة الرئيس حافظ الأسد عام 1970 زاد من نشاط الصحافة في حياة البلاد
الاجتماعية والسياسية ولقد تجسد هذا في خلق ظروف مواتية لنشاطها وفعاليتها وبدأ
إعداد الكوادر المؤهلة للعمل في هيئات الإعلام الجماهيري وأجريت التعديلات الهامة
في التوجه الإيديولوجي لوسائل الإعلام بوضعها كلياً في خدمة الثورة .
فصارت وسائل الإعلام
الجماهيري أكثر مسؤولية في موقفها من التصدي لمعالجة المهام الخاصة بتربية
الجماهير وتعبئة الشعب لبناء المجتمع الجديد والمشاركة النشيطة في تعزيز ديمقراطية
الحياة الاجتماعية والسياسية والإشراف على نشاط هيئات الدولة وسائر المؤسسات
الاجتماعية .
ولقد جاء المرسوم
التشريع رقم 58 الخاص بتأسيس اتحاد الصحفيين بقرار من رئيس الجمهورية حافظ الأسد
بهدف تنظيم الممارسة الصحفية وفق المفاهيم الجديدة وإيجاد نوع من الرقابة المهنية
والأخلاقية نيابة عن الرأي العام من خلال بحث الشكاوى ضد الصحافة وفرض العقوبات
التأديبية كبديل للجوء إلى القضاء الأمر الذي يحقق التوازن بين حرية الصحافة وحقوق
الأفراد .
ولقد استطاع الاتحاد
ممثلاً بأعضائه من توسيع نشاطه فدعم حرية الصحافة واستقلالها وعمل على الحفاظ على
المقومات الأساسية للمجتمع وجعل سلامة الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي من أوليات
اختصاصه الذي واجه الكثير من المشاكل والتي يعود سبب العديد منها إلى تأثير تقاليد
الماضي في عمل الصحافة .
لقد أكد السيد رئيس
الجمهورية حافظ الأسد على أهمية وسائل الإعلام ودورها الملحوظ في حياة البلاد
الاجتماعية والسياسية كما أولاها الاهتمام الكبير وقدّر المسؤوليات المميزة
الملقاة على عاتق الكوادر الإعلامية ففي هذا الصدد قال ( إنكم بسلاح كلمة الحق
تقفون جنباً إلى جنب مع القوات المسلحة وجماهير الشعب في مقارعة الاستعمار ومقارعة
باطل الأعداء وتسهمون بقسط بالغ الأهمية في عملية حشد الطاقات وتعبئة القوى وإعداد
الجماهير معنوياً ونفسياً لمجابهة العدو وقهره )[2]
كذلك أضاف : ( إن رجال
الصحافة والفكر والإعلام كانوا مجاهدين حقيقيين في صد الهجمة الرجعية الإمبريالية
ولم يهادنوها لحظة واحدة عروها وفضحوا أهدافها دون توقف فاستحقوا من كل مواطن وكل
مناضل شرف التضحية والتقدير)[3]
ونلمس إصراره على
التطوير عندما قال : ( نريد للإعلام أن يتطور ليلحق بالتقدم الفني السريع ويستفيد
من منجزاته لتقديم خدمة أوسع وأسرع بجماهير شعبنا)[4]
وهكذا برز الإعلام
كمعلم للجماهير ومرشد للأجهزة السياسية والاقتصادية والتربوية ، واستطاع أن يمارس
دور الرقابة الشعبية وأغناها بمحتوى واقعي كرس قيم الحياة الجديدة لصنع مستقبل مشرق.
[1] اتخذ
المجلس الوطني لقيادة الثورة قراراً حول إلغاء ترخيص إصدار الصحف والمجلات
الممنوحة سابقاً للأفراد وصودرت ممتلكاتها .
وعلى أساس هذا القرار تم إغلاق إحدى عشر صحيفة في دمشق وثلاث صحف
في حلب وصحيفتين في حمص وواحدة في حماه وصودرت الأجهزة الطباعية العائد لها وتم
فرض الحجز القضائي على الأموال المنقولة وغير المنقولة لكبار مالكي المطبوعات
الدورية وناشريها ( باستثناء الملكية المكتسب قبل 1961 أي قبل انفصال سورية عن مصر
) د.تركي صقر ، القانون ووسائل الإعلام ص 33
[2] هكذا
قال الأسد – دمشق 1985
[3] نفس المرجع
السابق .
[4] نفس المرجع السابق .