المبحث
السادس
أصول
المحاكمة في جرائم النشر
وإجراء
الحبس الاحتياطي
المطلب
الأول : أصول المحاكمة في جرائم النشر
حدد المشرع أصولاً
للمحاكمة في جرائم النشر والتي سوف نستعرضها من خلال مواد قانون المطبوعات من 70
وحتى 79
1- المحكمة المختصة
: يحال الصحفي بمقتضى جرائم النشر إلى المحاكمة
أمام محاكم بداية الجزاء أو الجنايات أو محاكم أمن الدولة أو المحاكم العسكرية
ولقد ميز قانون المطبوعات بين نوعين من الجرائم فيما يتعلق بالمحكمة الناظرة فقضى
أن تنظر محكمة بداية الجزاء بالدرجة الأولى في جميع جرائم المطبوعات وجميع الأعمال
الجرمية المنصوص عنها في قانون العقوبات التي ترتكب بواسطة المطبوعات على اختلاف
أنواعها واستثنى من ذلك الجنايات التي تبقى خاضعة للأصول المتبعة لدى محكمة
الجنايات .
أما بالنسبة للجرائم
التي يعود اختصاص النظر فيها للمحكمة العسكرية فتطبق الأحكام المنصوص عنها في
قانون المطبوعات عدا الاستئناف فتكون قرارات المحكمة العسكرية خاضعة للتمييز فقط
وفقاً لأحكام قانون أصول المحاكمات العسكرية ( الفقرة 6 من المادة 47).
أما بالنسبة للجرائم
المحالة إلى محكمة أمن الدولة العليا بأمر من المحاكم العرفي[1]
فإن للمحكمة سلطات
وصلاحيات معفاة من أي قيد إجرائي أثناء نظرها في القضية المحالة إليها وتصدر
أحكامها في الدرجة الأخيرة (مبرمة ) حسب ما نصت عليه مادة 8 من المرسوم التشريعي
47 لعام 1968 ويشترط لنفاذ الحكم تصديقه من قبل رئيس الجمهورية الذي له حق حفظ
الدعوى وإلغاء الحكم وتقرير إعادة المحاكمة وتخفيض العقوبة.
وتطبق الأحكام
الخاصة بمحكمة الأمن الاقتصادي في الجرائم التي يعود لها اختصاص النظر فيها فيتم
التحقيق على مرحلتين التحقيق الأولى بناءً على إخبار أو تكليف من جهة رسمية ويجري
من قبل رجال الضابطة العدلية أو الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش والثانية مرحلة
التحقيق الابتدائي أمام قاضي التحقيق المختص بقضايا الأمن الاقتصادي الذي يحيل
الجرم إلى محكمة الأمن الاقتصادي فتطبق أصول المحاكمات المتبعة لدى محكمة الجنايات
إذا كان الجرم جنائي الوصف وتطبق أصول المحاكمة المتبعة لدى محاكم البداية في بقية
الجرائم .
وتخضع قرارات محكمة
بداية الجزاء بخصوص المطبوعات إلى قرارات محكمة الاستئناف وتكون قرارات محكمة
الاستئناف بالصورة القطعية إذا صدرت خلال مدة لا تتجاوز عشرين يوماً من تاريخ
تبليغها قرار محكمة بداية الجزاء .
2- حالات إقامة
الدعوى في جرائم النشر :
تقام الدعوى في
جرائم النشر إما من قبل النيابة العامة أو من قبل المتضرر وفقاً لقانون أصول
المحاكمات الجزائية أو بناء على طلب وزير الإعلام .
3- إجراءات التبليغ
والتحقيق والمحاكمة والدفاع :
في التبليغ : يجري
التبليغ بمذكرة دعوة تصدرها النيابة فور إقامة الدعوى مؤرخة في اليوم والساعة على
أن يحضر المدعى عليه ضمن مهلة لا تتجاوز خمسة أيام من طلب النيابة العامة مع حساب
المهلة المعتبرة لمسافة الطريق إذا كان المدعى عليه قاطناً خارج منطقة المحكمة
ويتضمن التبليغ وصف المخالفة التي كانت سبباً لإقامة الدعوى وذكر النص القانوني
لما استند إليه كما تربط به المطبوعة المقامة بشأنها الدعوى أو صورة عنها وإذا
أغفل شيء من هذا تكون الإجراءات باطلة .
في التحقيق : يجوز
للمحكمة إذا رأت لزوماً لفتح تحقيق في موضوع الدعوى أن تكلف أحد أعضائها القيام به
على أن ينتهي حكماً في مدة خمسة أيام على الأكثر .
وفي الأحوال
المستعجلة يجري التحقيق أثناء المحاكمة على أن يُعطى المدعى عليه – إذا طلب ذلك –
مهلة خمسة أيام اعتباراً من حضوره لتهيئة دفاعه وبعد انتهاء المهلة يباشر
بالمحاكمة وتجري دون توقف .
في المحاكمة : يجوز
للمحكمة أن تمنح المدعى عليه تأجيلاً لا يتجاوز ثلاثة أيام لتهيئة دفاعه وتعيين
وكيل وعلى المحكمة فور انقضاء المهلة أن تباشر رؤية الدعوى حتى انتهائها دون توقف
على أن يعطى القرار النهائي في مدة خمسة أيام ويجوز توقيف المطبوعة الدورية عن
الصدور حتى نهاية المحاكمة وصدور الحكم القطعي ولا تجوز المطالبة بأي تعويض عن ذلك
.
في التوكيل : وبالنسبة
للدفاع أوجب القانون حتماً أن يقوم به محام يوكله المدعى عليه وإن لم يفعل يعين
رئيس المحكمة عند ورود الإضبارة إلى المحكمة العليا محامياً يقوم بالدفاع عنه ولا
يجوز للمدعى عليه أن يوكل أكثر من محاميين .
4- التقادم في جرائم
النشر :
قضى القانون بأن
يسقط الحق العام والحق الشخصي في الدعاوى الناشئة عن جرائم المطبوعات بالتقادم ستة
أشهر كاملة من تاريخ وقوعها تضاف إليها المهلة الملحوظة للأمكنة ذهاباً وإياباً في
قانون أصول المحاكمات الجزائية بالنسبة للمدعي المقيم خارج الأراضي السورية .
المطلب
الثاني : إجراء الحبس الاحتياطي
يعد الحبس الاحتياطي
واحداً من إجراءات التحقيق شديدة البأس بالغة المساس بالحرية الشخصية للمتهم بل
ولا نغالي إذا قلنا أنه أخطرها على الإطلاق وذلك لأنه يسلب المتهم حريته ولو لمدة محددة
قبل أن تتقرر بعد إدانته قضائياً بصورة قاطعة[2]
فهو يتعارض مع قرينة
البراءة التي تقتضي ألا تتخذ مثل هذه الإجراءات ضد المتهم إلا بعد ثبوت إدانته
يقيناً بحكم قضائي .
بيد أنه إذا كان
الحبس الاحتياطي يمثل خروجاً على هذه القرينة على ذاك النحو إلا أنه قد تكون هناك
ضرورة تستوجبه لا يمثل اتخاذه حال توافرها أي إخلال بتلك القرينة وهذه الضرورة
تتمثل في ضمان سلامة التحقيق أو صيانة أمن المجتمع .
فمن ناحية ضرورته
لسلامة التحقيق لا بد أن يكون وفقاً لقواعد قانون أصول المحاكمات الجزائية هدف اتخاذه
تأمين الأدلة من عبث المتهم والحيلولة دون اتصاله بالشهود وتأثيره عليهم لكي
يميلوا كل الميل في جانبه أو توقي هربه على نحو لا يمكن معه الوصول إليه حال
إدانته بحكم قضائي وأما من ناحية أنه يعد إجراء تستوجبه حماية أمن مجتمع فذاك يعني
أنه يتخذ وسيلة للحيلولة دون عودة المتهم إلى الجريمة مرة أخرى أو سبيلاً لحمايته
من اعتداء المجني عليه أو أقاربه مما يؤدي إلى إثارة الفوضى في المجتمع والإخلال
الجسيم بأمنه .
ولكن هذه الغايات
وتلك الضرورة لا تجعل السبيل الاحتياطي حال توافرها متسقاً مع قرينة البراءة إلا
إذا كانت هناك أدلة إثبات مستغرقة لأدلة النفي أي أن توجد أدلة قوية وكافية تبرر
اتخاذه وتقطع بأن الإدانة قد أصبحت قاب قوسين أو أدنى[3]
ومن هذا المنطلق إذا كان قد أضحى محظوراً في
قوانين الدول الديمقراطية حبس الصحفي احتياطياً عن جريمة صحفية وذلك اعترافاً بسمو
رسالته في خدمة المصلحة العامة وتقديراً لدور الصحافة والتيسير على المشتغلين بها
في أداء واجبهم القومي إلا أن المشرع السوري وحتى الآن لم يستثن الصحفي من هذا
الإجراء فلقاضي التحقيق حسب نص المادة 102 أصول محاكمات جزائية أن يبدل مذكرة
الدعوة بعد استجواب المدعى عليه في دعاوى الجناية والجنحة بمذكرة توقيف إذا اقتضى
التحقيق ذلك وإذا لم يحضر المدعى عليه فلقاضي التحقيق أن يصدر بحقه مذكرة إحضار .
ولابد لنا من الوقوف
على مبررات التوقيف بالنسبة للصحفي والتي لا تقوم على الاعتبارات التي تحول دون
إخلاله بقرينة البراءة .
فطبيعة جرائم
الصحافة تنفي الحكمة من الحبس الاحتياطي التي اعتبرته ضماناً لسير التحقيق أو
منعاً لفرار المجرم من وجه العدالة حال ارتكابه الجريمة فالمقال هو الركن الأساسي
لأي جريمة نشر لا يمكن العبث به أو تحريفه أو حتى ضياعه وفي أغلب الأحيان يكون
المقال هو وسيلة الإثبات الوحيدة في الجريمة ولا أدلة أخرى مثل الشهود يمكن الخوف
عليها فيما لو ترك المدعى عليه طليقاً .
وعلى فرض أن إجازة
الحبس الاحتياطي في هذه الجرائم القصد منه توقي هروب الصحفي من العدالة فإن هذا لا
يمكن قبوله لأن سلطة التحقيق يمكنها أن تتخذ من الإجراءات التحفظية ما تحول به دون
هروب الصحفي بدلاً من إجراء الحبس الاحتياطي مثل وضع الصحفي المتهم تحت رقابة
القضاء على نحو ما عليه الوضع في القانون الفرنسي[4]
وبالنسبة لضرورة
حماية أمن المجتمع فإن إجراء الحبس يصبح بلا معنى ذلك لأن القول بأن حبس الصحفي
أمان من عودته إلى ارتكاب جريمة أدواتها القلم والورق يستطيع من خلال محاميه إيصال
وجهات نظره فيما حبس لأجله أو الدفاع عن نفسه[5]
أما إذا اعتبرنا
الحبس الاحتياطي كحماية للمتهم من اعتداء المجني عليه وأهله على نحو يترتب عليه
الإخلال بأمن المجتمع وهذا لا يتوفر أيضاً في جرائم الصحافة لأن هذه الجرائم يغلب
عليها الطابع النقدي البحت مما ينفي عنها ما يتوافر بالنسبة لغيرها من الجرائم
التي تصيب المجني عليه وأهله بضرر فادح في الجسم أو المال مما يغري هؤلاء برد
الاعتداء بأنفسهم دون أن ننسى أن القانون قد رسم طريقاً للرد بحق مكفول بذلك
قانونياً وقضائياً .
وإذا افترضنا جدلاً أن الحبس الاحتياطي
يعد ضمان لحماية المجتمع فإن أمن المجتمع هو مسؤولية الدولة ومن ثم لا يمكن تحقيق
مصلحة الأمن ذريعة للتعرض لحرية المتهم[6]
خاصة حين تكون هي حرية الصحفي كحامل للقلم والفكر مما يستوجب أن تتم حمايته لأقصى
حدود الحماية القانونية[7].
وجهة
نظر
نخلص مما سبق إلى
ضرورة إعادة النظر في العديد من أحكام العقوبات وإلغاء العقوبات السالبة للحرية
والاكتفاء بالغرامات والتعويضات مسايرة للاتجاه التشريعي الحديث في غالبية الدول
الديمقراطية .
وتتزايد الحاجة إلى تأمين الصحفي ضد شبح
المسؤولية الجزائية لينتقل عبء إثبات الخبر الكاذب من الصحفي إلى من يطعن في صحته
وألا تحرك الدعوى العمومية ضد الصحفي في الجرائم الصحفية إلا من خلال هيئة خاصة
بمحكمة النقض تتولى التحقيق في طلبات النيابة العامة بشأن جرائم النشر .
[1] أحدثت
محكمة أمن الدولة العليا بالمرسوم رقم 47 تاريخ 28/3/1968 الذي ألغى المحاكم
الاستئنافية وأناط أمر إحداثها للحاكم العرفي الذي سبق للمرسوم التشريعي رقم 51
تاريخ 22/12/1962 المعدل بالمرسوم رقم 1 تاريخ 9/3/1963 المتضمن قانون الطوارئ
والصلاحيات الممنوحة للحاكم العرفي في حالة الحرب أو قيام حالة تهدد بوقوعها أوفي
حالة تعرض الأمن أو النظام العام في أراضي الجمهورية أو في أي جزء منها للخطر
والتي يمكن القول بأنها واسعة ولقد جاءت المادة الأولى من المرسوم 47 فمنحت الحاكم
العرفي سلطة إحداث محكمة أمن دولة عليا أو أكثر عند الضرورة وكان أن صدر الأمر رقم
2 تاريخ 8/3/1963 عن المجلس الوطني لثورة الثامن من آذار حالة الطوارئ في جميع
أنحاء الجمهورية العربية السورية
حتى إشعار آخر وحالياً توجد محكمة أمن دولة عليا مركزها دمشق والمحدثة
بموجب المرسوم 47 لعام 1968 وهي حالياً تتشكل من رئيس ( من ذوي المناصب السياسية )
وقاضي مدني وقاضي عسكري إضافة إلى عضوين عسكريين من قادة الوحدات العسكرية ويمثل
الحق العام رئيس النيابة لديها الذي يحدد بقرار جمهوري .
[2] الوسيط في قانون العقوبات ، ص
742 ، دكتور أحمد فتحي سرور .
[3] الإثبات
في المواد الجنائية ص 60 – 61 دكتور محمود مصطفى .
[4] التقييد
القانوني لحرية الصحافة ، أمجد باهي أبو يونس ص 472
[5] الإجراءات
الجنائية ص 658 ، دكتور محمد زكي أبو عامر .
[6] التوقيف
الاحتياطي ، محاضرة ألقيت في الأسبوع القانوني بدمشق 1981 ، د . محمود محمود
مصطفى.
[7] الحبس
الاحتياطي ، دكتور حسن المرصفاوي ص 174