أمثلة
عن بعض الدعاوى التي أقيمت على الصحفيين
1- من دعاوى الذم
والقدح :
أقام خمسة وعشرون
تاجراً من تجار سوق الهال بحلب ، يمثلهم التاجر محمد خشفة في عام 1976 ، دعوى
قضائية ضد المحرر ميشيل خياط اثر نشره في جريدة البعث تحقيقاً صحفياً بعنوان
" تفاح الكفرون يفضح اللعبة " .
ففي 20/8/1975 نشرت
" البعث " التحقيق الصحفي المشار إليه، وفي 31/8/1975 ، نشرت رداً عليه
موقعاً باسم السيد محمد خشفة ، أحد تجار سوق الهال في حلب ، مرفقاً بتواقيع أغلب
تجار سوق الهال. فقد علق المحرر على ذاك الرد وكان بعنوان " مرة أخرى المؤسسة
العامة للخضار مطلب جماهيري " وفي نيسان من عام 1976 تبلغ المحرر مذكرة
بضرورة مثلوه أمام المحكمة بتاريخ 4/4/1976 .
كلفت دار البعث
المحامي مفيد اللجمي ، محامي الدار آنذاك ، للدفاع عن المحرر أمام المحكمة ، كما
كلف اتحاد الصحفيين في القطر العربي السوري المحامي حمود البكفاني ، في حين مثل
المدعي في هذه القضية المحامي مصطفى الحايك .
تحريك الدعوى :
اعتمد المدعي في
تحريكه لهذه الدعوى ضد المحرر في جريدة البعث ، على الإجراءات التالية :
1- الرد الموقع
باسمه الذي نشرته جريدة البعث بتاريخ 31/8/1975 ، ورفض المحرر الحجج الواردة في
هذا الرد واعتبارها باطلة . ولهذا رأى المدعي أن هذا التحقيق إهانة أخلاقية موجهة
مباشرة ضده فاستند عليها .
2- توجيه برقية إلى
السيد رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ورئيس اللجنة الاقتصادية في القيادة
القطرية ووزراء التموين والاقتصاد والداخلية ومدير عام دار البعث ومدير الإدارة
السياسية .
واحتوت تلك البرقية
على استنكار لما جاء في التحقيق الصحفي موضوع الدعوى .
وقد حول مكتب
الشكاوى في وزارة الداخلية هذه البرقية إلى محافظة حلب للتحقيق في ما جاء فيها ،
فقام محافظ حلب بالإيعاز إلى مخفر باب الفرج بإجراء هذا التحقيق .
3- بتاريخ
11/10/1975 وجه مخفر باب الفرج كتاباً إلى قيادة شرطة حلب يفيدها بأنه نتيجة
التحقيق بمضمون البرقية ، تبين أن كاتب المقال في جريدة البعث العدد 3824 تاريخ
20/8/1975 ، تعرض إلى غش في سوق الهال بحلب ، حيث التقى ببائع متجول وسأله عن سعر
شراء التفاح من سوق الهال ، فأجابه بـ /100/ ق.س ، بينما سأل المصدر فأجابه أنه
باعه إلى تاجر بسوق الهال بـ/40/ ق.س وحيث أن العلاقة بكاتب المقال ، يرجى الاطلاع
والإحالة لمن يلزم للمعالجة . ثم ذيل الكتاب باقتراح مفاده أنه يجب إبلاغ التجار
المتضررين رفع دعوى على كاتب المقال .
4- بتاريخ
18/10/1975 وجه العميد قائد شرطة حلب كتاباً إلى محافظة حلب يقول فيه : أنه نتيجة
التحقيق تبين أن كاتب المقال في جريدة البعث لم يسأل مديرية التموين في حلب أو
القسم المختص في حينه لتنظيم المخالفة بحق المسيء ولهذا يجب تبليغ التجار
المتضررين مراجعة القضاء للادعاء على كاتب المقال إذا كان لحق بهم ضرر ما . يرجى
الاطلاع .
5- في 27/10/1975
أرسل محافظ حلب كتاباً إلى وزارة الداخلية – مديرية مكتب الشكاوى – اختصر فيه
إجراءات حلب للتحقيق في البرقية ، وخلص إلى القول أنه كان من المفروض بالمحرر
مراجعة مديرية التموين أو قسم الشرطة المختص في حينه لتنظيم ضبط مخالفة بحق البائع
المتجول المذكور .
6- استند المدعي على
الوقائع السابقة ، وقام المحامي الذي يمثله بتوجيه مذكرة إلى النيابة العامة بدمشق
طالب فيها بإحالة الدعوى إلى محكمة بداية الجزاء بدمشق والحكم على المدعى عليه ،
استناداً إلى المادة /63/ من قانون المطبوعات المعطوفة على المادتين 568 و 570
والمادة 208من قانون العقوبات العام وكذا المادة 65 من قانون المطبوعات وبدلالة
المادة /70/ .
وفي 4/4/1976 عقدت
الجلسة الأولى للفصل في هذه الدعوى .
ماذا قال
المحرر في التحقيق الصحفي :
التحقيق الصحفي
موضوع هذه الدعوى كان بسيطاً جداً جرى الحصول على وثائقه من قرية الكفرون المنتجة
للتفاح في محافظة طرطوس ، وفي سياقه أشار منتجو التفاح إلى أنهم يبيعون تفاحهم
بأسعار بخسة إلى تجار سوق الهال الذين يقومون ببيع هذا التفاح بأسعار عالية جداً ،
فإذا بأرباحهم تفوق بمرتين على الأقل أرباح المنتجين أنفسهم . وقد أخذ أحد
المزارعين في سياق ذاك التحقيق المثال التالي : لقد بعت تفاحي بخمسة وأربعين قرشاً
للكيلو غرام الواحد في سوق الهال بحلب ، وكان اسمي مسجلاً على الصناديق ، وبطريق
المصادفة رأيت عربة تحمل عدة صناديق من التفاح تحمل اسمي ، فسألت صاحب العربة :
بكم اشتريت كيلو غرام التفاح ؟ فأجاب : بليرة سورية واحدة !! وكان واضحاً أن
عملية الشراء تمت من سوق الهال وبطريقة الجملة .
ولم يشر التحقيق إلى
اسم التاجر الذي اشترى وباع ، بل اعتمد على تلك الواقعة في دفاعه عن الفلاحين ضد
استغلال الوسطاء لهم ، معمقاً بذلك وضوحاً فكرياً ثميناً عن واقعة معروفة مفادها
أن الفلاحين كانوا غالباً ضحية لعبة العرض والطلب ، وإنهم يبيعون منتجاتهم من
الخضار والفواكه إلى تجار سوق الهال بأسعار أدنى أحياناً من أسعار التكلفة .
ماذا قال
المدعي أمام المحكمة ؟
حاول المدعي في
مذكرته أمام محكمة بداية الجزاء نفي صحة أقوال المحرر أمام القاضي في الجلسة
الأولى ومفادها أن المحرر كان مكلفاً بمهمة رسمية وأنه قد تحرى المعلومات من
أصحابها بشكل ميداني ، وان التحقيق الذي نشره في الجريدة ينسجم مع أهداف الجريدة
وهي في مجموعها أهداف نبيلة تتوق إلى رفع الظلم عن الناس والى توفير أسس الحياة
الأفضل .
واعتمد المدعي في
مذكرته على تعقيب المحرر على رده المنشور في 31/8/1975 ورأى في قوله : " إن
حالتي هذه تكسب تعبيرك شرفاً كبيراً وتسرق منك ما كنت تقصد إليه " اتهاماً
صريحاً بأنه هو المعني شخصياً باستغلال الفلاحين .
كذلك رأى المدعي أن
تصرف المحرر ينطبق عليه المفهوم المحدد في المادة /275/ من قانون العقوبات العام
بشأن جريمتي القدح والذم .
وحيث أن القدح والذم
قد ارتكب بإحدى الوسائل المذكورة في المادة /208/ من قانون العقوبات مما يجعله
مشمولاً بأحكام الفقرة الأولى من المادة /568/ والفقرة الأولى من المادة /570/ من
القانون نفسه .
وحيث أن المادة /63/
من قانون المطبوعات الصادر بالرقم /53/ تاريخ 8/1/1949 قد نصت على أن جرائم القدح
والذم المرتكبة بواسطة المطبوعات تعاقب وفقاً للأحكام الواردة في قانون المطبوعات
العام . وحيث أن المادة /65/ من قانون المطبوعات قد نصت على عقاب من ينشر الأخبار
غير الصحيحة والملفقة إذا تمت بسوء نية . وبما أن كذب الأخبار التي نشرها المدعى
عليه قد ثبت بتحقيقات الشرطة وكتاب السيد محافظ حلب ذي الرقم ص /11180/ تاريخ
1/10/1975 ، وبما أن محكمتكم الموقرة هي المحكمة المختصة بالفصل في هذه الدعوى
عملاً بأحكام المادة /70/ من قانون المطبوعات ، لذلك نلتمس من مقام المحكمة :
1- الحكم على المدعى
عليه بالعقوبات القصوى التي نصت عليها المواد 568 – 570 من قانون العقوبات العام ،
والمادة 65 من قانون المطبوعات .
2- الحكم عليه بأن
يدفع للموكل العطل والضرر المعنوي من جراء التشهير بسمعته التجارية والذي نقدره
بمبلغ خمسة آلاف ليرة سورية .
3- تضمين المدعى
عليه الرسوم والمصاريف والنفقات ومقابل الأتعاب .
دفاع المدعى عليه :
استند دفاع المدعى
عليه ، في هذه القضية ، على الوقائع التالية :
1- لم يقصد المدعى
عليه الإضرار بالمستأنف شخصياً ، بل لقد رفض في كتاباته إعطاء أي طابع شخصي
لكتاباته الصحفية .
2- الأمور التي تحدث
عنها الصحفي ونسبها إلى تجار سوق الهال تستند إلى وثائق وشهادات واقعية تثبت صحتها
.
3- الصحافة في سورية
صحافة ملتزمة بخط سياسي واضح ، وما ينشر فيها لا يمثل وجهة نظر الكاتب وحده ، بل
يمثل وجهة نظر الخط السياسي المذكور .
4- نص مرسوم اتحاد
الصحفيين رقم /58/ لعام /1975/ في مادته الخامسة على ما يلي :
" يعمل الاتحاد
من أجل تعبئة جميع إمكانات أعضائه في خدمة الأهداف التالية :
أ – الدفاع عن مكاسب
الجماهير الشعبية والوقوف إلى جانب أهدافها المشروعة في القضاء على التخلف وبناء
مجتمع متقدم متحرر من الجهل والخوف والتبعية والعمل لترسيخ التحولات الاجتماعية
والاقتصادية والثقافية وتطويرها وصيانتها .
ب – يمارس دور
الرقابة الشعبية على أجهزة الدولة وقطاعات الإنتاج والخدمات والثقافة والتربية
ويحارب البيروقراطية .
ج – ضمان حرية
الصحافة والصحفيين في أداء رسالتهم .
د – التأكيد على حق
الشعب في الاطلاع على الحقيقة والكلمة الصادقة " .
5 – إن المقالات
الصحفية ، موضوع هذه الدعوى ، لا تخرج عن هذه المفاهيم والقيم المكرسة بالقوانين
والأنظمة النافذة التي جاءت ضمانتها في الدستور الدائم الذي جاء في المادة /38/
منه بشكل صريح ما يلي :
" لكل مواطن
الحق في أن يعرض رأيه بحرية وعلنية بالقول والكتابة وكافة وسائل التعبير الأخرى
وأن يسهم في الرقابة والنقد البناء بما يضمن سلامة البناء الوطني والقومي ويدعم
النظام الاشتراكي وتكفل الدولة حرية الصحافة والطباعة والنشر وفقاً للقانون".
رأي المحكمة :
في 13/12/1976 صدر
عن محكمة بداية الجزاء في دمشق قرار باسم الشعب العربي السوري يعلن براءة المحرر
من تهمتي القدح والذم الموجهتين ضده باعتبار أن كتاباته في جريدة البعث ليست ذماً
وقدحاً إنما هي شكل من أشكال ممارسة الصحيفة لدورها ، وإن من واجب الصحفيين أن
يدافعوا عن الناس مطالبين بحياة أفضل وإن المطالبة بإقامة مؤسسة لتسويق الخضار
والفواكه تضبط السوق وأسعاره لا يمكن اعتبارها جريمة ، كما أن المحكمة لن تسمح
أبداً لأية جهة كانت أن تستغلها ، وأن تستخدمها كأداة لمنع العاملين من ممارسة
واجباتهم .
وعندما انتهى
الأستاذ القاضي مازن خلوف من قراءة قرار المحكمة ، قال : " إن من حق الناس
على الصحفي أن يكتب بجرأة مدافعاً عنهم شارحاً همومهم مطالباً بتغيير أوضاعهم نحو
الأفضل".
المدعي يستأنف :
استأنف المدعي قرار
محكمة بداية الجزاء الأولى بدمشق وانتقلت القضية إلى محكمة الاستئناف الأولى بدمشق
.
وفي 27 حزيران من
عام 1977 أصدر القاضي الأستاذ فائق قسومة ، رئيس محكمة الاستئناف الأولى بدمشق ،
قراراً صادق فيه على قرار محكمة بداية الجزاء الأولى القاضي ببراءة المحرر من
تهمتي القدح والذم وتحميل المدعي نفقات الدعوى ومصاريفها كافة .
وهكذا ، فإن وقائع
هذه الدعوى التي بدأت بالظهور منذ آب 1975 ودخلت القصر العدلي في 4 نيسان 1976 ،
قد اختتمت أحداثها في 27حزيران عام 1977 . وكان ما طمح إليه المحرر قد تحقق فعلاً
، ففي أيار من العام 1977 ظهرت الشركة العامة للخضار والفواكه إلى الوجود ، ونص
مرسومها على أن تضطلع بتسويق تنأى عنه الأرباح الطفيلية للوسطاء ، وأن تكون جسراً
بين الفلاحين والمستهلكين .
أصداء هذه القضية في
وسائل الإعلام العربية السورية :
حظيت هذه القضية
باهتمام صحفي كبير ، ففي 10/8/1976 كتب الأستاذ الشاعر المعروف ممدوح عدوان
تعليقاً في جريدة الثورة – العدد 4135 – في زاوية " مواقف " وتحت عنوان
" قانون المطبوعات " ، قال فيه : " الدعوى التي أقيمت من قبل أحد
التجار بحق زميلنا ميشيل خياط أثارت الانتباه إلى ضرورة إعادة النظر في قانون
المطبوعات . إن صحفيي القطر يعملون في مؤسسات صحفية كلها رسمية ، ولكن تحت ظل
قانون مطبوعات أوجد للصحف الخاصة ولم يتغير منذ أن كانت الصحيفة رأسمالاً شخصياً
للاستثمار. وإذا كان لدينا الآن عرف عام مناقض لبعض بنود هذا القانون ، إلا أن في
وسع أي امرئ أن يلجأ إلى قانون المطبوعات ليؤذي أي صحفي يعمل مطمئناً منذ سنوات
إلى هذا العرف والى قناعاته" .
وخلص الأستاذ ممدوح
عدوان إلى القول : " إن أي إقطاعي سابق يستطيع أن يقيم دعوى على الصحيفة أو
على المحررين فيها إذا لم يعدل ذاك القانون " .
وكان الأستاذ محمود
كامل ( أمين تحرير الأخبار في جريدة البعث آنذاك ) قد كتب في زاوية " حديث
الصباح " في جريدة البعث بتاريخ 24/12/1976 مقالة حول هذه الدعوى قال فيها :
" إذا كان السيد التاجر يفهم من الحديث عن ضرورة تطوير المجتمع وتأمين حاجات
الناس بأسعار معقولة ، تعريضاً بمصالحه وكرامته ، قدحاً وذماً وتشهيراً ، فنحن
نقصد ذلك فعلاً " . وأنحى الأستاذ " كامل
" باللائمة على الجهاز القضائي ورأى أنه كان من الأفضل لهذا الجهاز
ولاعتبارات متعددة ، أن يتقصى الوقائع المادية للاتهام ، فإذا لمس أنه غير جدير
بالمحاكمة ، رفض الدعوى شكلاً وموضوعاً قبل التبليغ عنها ، لا سيما أنها جنائية
الوصف .
كذلك طالب الأستاذ
" كامل " اتحاد الصحفيين بموقف حازم ، ونوه إلى أن أهمية هذا الموضوع ،
تكمن في أن يشكل مزاج التاجر تشجيعاً لكل من لا تراعي الصحافة مصالحه ، فتتعدد
الدعاوى على الصحفيين لأي سبب تافه أو حتى دون أي سبب ، وهو أمر لا يخدم الصحافة
ولا يساعدها في أداء رسالتها ومهامها .
وتحت عنوان "
محكمة " كتب الزميل عادل محمود ، أحد محرري قسم الثقافة في جريدة البعث آنذاك
، مقالة بتاريخ 27/5/1976 في الصفحة السادسة من جريدة البعث ، قال فيها :"
استغربنا جميعاً أن تكون قضية الزميل ( خياط ) مقبولة بالأساس الحقوقي ، فكثيراً
ما تعرضت الصحافة إلى ظاهر مشابهة .
ثم جاء المزيد من
الاستغراب لأن أية قضية ترفع ضد محرر هي بالضرورة ، ضد الجريدة ، فالمحرر مسؤول –
فقط – أمام قيادة العمل الصحفي في مؤسسته ، لذا فالمحاكمة هي محاكمة جريدة ، قبل
أن تكون محاكمة صحفي !!!
2- من دعاوى التشهير
:
قامت جريدة "
النصر " التي كانت تصدر في دمشق في الستينات بنشر تحقيقاً صحفياً في العدد
رقم /4506/ تاريخ 11 شباط 1960 كتبه المحرر في الجريدة المذكورة آنذاك السيد جان
الكسان . والموضوع يتعلق بوجود مرآب ( كراج ) في دمشق ، يستغل صاحبه مجموعة من
أصحاب العربات و ( الطنابر ) . وموجز التحقيق الذي جرى نشره جاء كما يلي :
" المطلوب من
رجال الشرطة ، فور قراءة هذا الموضوع ، حماية أكثر من خمسين مواطناً من مواطن اسمه
" راغب " وهو تاجر خيل .. والمطلوب التحقيق في أمر هذا الرجل .. في كسبه
الاستغلالي وفي تعامله بالربا بنسبة مائة وعشرين بالمائة ، والمطلوب أن يكون
التحقيق عاجلاً لأنه هدد هؤلاء المواطنين بمصادرة ( عربياتهم ) و
( طنابرهم ) صباح غد الجمعة .
إنني أضع قضية هؤلاء
المواطنين أمام المسؤولين بعد أن قضيت عشرة أيام وأنا أجمع الحقائق والأرقام ،
أضعها بصورة خاصة أمام السيد وزير الداخلية لإنقاذ هؤلاء المواطنين من أبشع نوع من
الاستغلال يمكن أن يقوم به مواطن .. لقد تخلصنا من استغلال الإقطاعيين واستغلال
السياسيين واستغلال المستثمرين وآن لنا أن نتخلص من هذا النوع الجديد من الاستغلال
، استغلال المرابين ، وفيما يلي تفاصيل الموضوع :
خطة جهنمية : هذا
الرجل لديه أموال ، وقد عمد إلى طريقة جديدة في الربح لا تقرها القوانين ، ولا
الشرع ، ولا الأخلاق ، ولا الضمير ، إنه يعمد للاتصال بأصحاب الطنابر والعربات ،
أو الذين يريدون أن يعملوا عليها ، ويوهمهم بأنه سينقذهم بأمواله ، فيدفع لأحدهم
مبلغاً من المال ليشتري به دابة أو عربية لقاء ليرة سورية كل يوم .. وذلك بعد أن
يكتب العربية باسمه ، ويجري معه عقد إيجار ، ويأخذ منه كل يوم ليرة ، ثم يبيع
العربية فجأة !!!
قد يبدو للوهلة
الأولى عادياً ، وليس فيه أية خطورة ، ولكن التفاصيل التي سأكتبها ، ستكشف طريقته
( القانونية ) التي يلجأ إليها.
الضحية الأولى : اسم
الضحية : إبراهيم المصري ، الملقب بالبيروتي ( يسكن في القصاع – الميمونية – رقم
14 ) ، كان يوماً واقفاً في المكان الذي يقف فيه " العربجية " فبعث إليه
" راغب : - بعد أن عرف وضعه – برجل من رجاله اسمه " توفيق الحلبي "
أقنعه بالذهاب لمقابلة راغب ، فلما ذهب إليه قال له : " لقد أعجبتني منذ
رأيتك .. ويبدو أنك قبضاي ، ولدي ثلاث دابات سأبيعك إياها وقد عرفت أن معك مالاً
وتريد أن تشتري بعض الدواب ، كم معك ؟
" أجاب إبراهيم : " معي
/400/ ليرة سورية فقط " . فقال له راغب: سأبيعك الدابات الثلاث بـ / 650/ ل.س
" وأخذ منه الـ /400/ وبقي له معه /250/ ليرة ، فكتب عليه ثلاث سندات .
السند الأول : يدفع
إبراهيم بموجبه كل يوم ليرة سورية ، والثاني يمنعه من التصرف بالدواب فلا يحق له
بيعها ، والسند الثالث يقول : " كل شهر تأخير في دفع الثلاثين ليرة من قبل
إبراهيم يأخذ راغب دابة مقابل ذلك " .
وبعد أيام وجد
إبراهيم أنه لم يكسب قرشاً ، ولم يستطيع أن يعمل، وحوصر من قبل جماعة راغب ، فلم
يكسب حتى الليرة التي يجب أن يدفعها له . ولما عاد إلى راغب ليعيد الدابات ، أخذ
منه هذا ، الدابات والعربة والمال ، وأشار إلى أربعة من رجالة فانهالوا عليه ضرباً
، ولم يستطع أن يشكوه للسلطات خوفاً منه ، ولأنه يحمل سندات ضده ، فانسحب بعد أن
خسر أمواله ليعيش عيشة الشحاذ دون عمل .
الضحية الثانية : اسمه
" حمدي عطا " الملقب " أبو علي الحمامي" ( من الميدان ) رهن
بيته لدى راغب الذي جعل " الطابو " باسمه لقاء ألفي ليرة ، وكتب عليه
راغب ورقة أجار بمبلغ /1200/ ليرة سورية ، سنوياً، في حين أن ثمن البيت تسعة آلاف
ليرة ، فخسر كل شيء ، وظل يدفع لراغب ، الذي تملك البيت ، أجاراً عن البيت الذي هو
في الأساس ملك له .
الضحية الثالثة : اسمه
" محمد بن حسين الحموي " ( يسكن في حي العمارة – بوابة الآس ) في الشتاء
الماضي أراد أن يعمل على "عربية مازوت " كان بحاجة إلى /500/ ل.س ، دلوه
على راغب .. دفع له المبلغ فاشترى به دابة وعربية وسجلها باسم راغب نفسه ، وتعهد
أن يدفع له كل يوم ليرة سورية ، ودفع له مدة تسعة أشهر مبلغ /270/ ليرة ، وفي يوم
كسرت رجله ، ونقل إلى المستشفى فذهب إليه راغب في المستشفى قال له " لماذا
تأخرت في الدفع " ؟ فأجابه " أنا مريض في المستشفى فمن أين أدفع لك
" فذهب راغب واستولى على العربية والدابة وباعهما لعبدو بن صالح نصري بمبلغ
/700/ ليرة سورية ، وظل محمد ابن حسين علي الحموي في المستشفى فترة وخرج منها وهو
يشحذ .
الضحية الرابعة : "
محمد عيد بن أحمد الصرماياتي " شيخ أصبح عاجزاً .. يسكن في " عرنوس
" كان يمتلك عربية لبيع الكاز ، احتاج لمبلغ / 300 / ليرة سورية ، دلوه على
راغب الذي قال له " سأدفع لك المبلغ بشرط أن تكتب العربية باسمي وتعطيني كل
يوم ليرة فائدة المبلغ " وأخذ منه على خمسة أشهر /150/ ليرة وقبل عشرين يوماً
، قام راغب ببيع العربية التي هي ملك للشيخ المسكين ، بحجة أنه لم يدفع له في أحد
الأيام ، باعها بمبلغ /235/ ليرة ، وأخذ الغلة من
" الصانع " الذي كان يعمل عليها وقدرها /75/ ليرة سورية .
الضحية الخامسة : "
محمد بن علي الزراد " – نشرت صورته مع الموضوع – يسكن في " الشاغور –
قراونة – حمش الكيال " كان لديه " طنبر حمولة " ، وليس لديه دابة
اشترى له راغب دابة بـ /150/ ليرة سورية ، وكتب راغب الطنبر والدابة باسمه كما سجل
عليه ورقة إيجار . ولما قصر عليه مرة في الدفع ، أخذ الطنبر والدابة علماً أنه كان
قد دفع له /180/ ليرة سورية على مدى /180/ يوماً .
الضحية السادسة : صاحب
" حمام الجوز " في " باب توما " واسمه " أحمد الحناوي
" أخذ من راغب ألف ليرة لسنة بألفي ليرة بعد أن كتب " الحمام "
باسمه بطريقة " الرهن " .
الضحية السابعة : "
أبو عادل الرواس – من الشاغور " أخذ من راغب /1500/ ليرة سورية بألفي ليرة
لستة أشهر ، وكتب " فروغ " الدكان باسمه .
الضحية الثامنة : "
تيسير الميداني – ميدان فوقاني – عربجي سابق لديه سيارة عمومية ، رهنها لدى راغب
بواسطة كاتب عدل لقاء /1500/ ل.س على أن يدفعها /2000/ ليرة لمدة ستة أشهر .
الضحية التاسعة : "
علي الهاماني – من الهامة " أخذ منه راغب مبلغ /150/ ليرة سورية ليشتري له
دابة ، وقال له " عد بعد كم يوم " ولما عاد أنكر عليه الدراهم والدابة ،
وأوحى إلى رجاله فانهالوا عليه ضرباً حتى هرب .
الضحية العاشرة : "
مصطفى البندقجي – من حي الأكراد " أخذ من راغب /300/ ليرة سورية ، ومضت عليه
سنتان وهو يدفع كل يوم ليرة ، بعد أن كتب " الطنبر " الذي كان يملكه
باسم راغب ، وخسر في النهاية كل شيء ( اللقب الذي يعرف به مصطفى هو أبو كاسم
الصالحاني ) .
الضحية الحادية عشر
: " رسلان بن محمد العليوي ، الملقب برسلان السمسار – ميدان
فوقاني " كان معه /1500/ ليرة سورية ، فاستأجر من راغب " ياخور "
وغرفة ، وأقام ، بالاتفاق معه ، عدة غرف لاستثمارها ، فادعى راغب أنها له ، وأن
رسلان " أجير" يعمل لديه ، ثم قرر طرده ..
الضحية الثانية عشر
: " حبيب أبو كرش – باب شرقي – منطقة كنيسة
حنانيا " احتاج من راغب لمبلغ /300/ ليرة سورية ، رهن لديه " عربة خيل
" وسجلها باسمه ، ثم منعت " العربيات " وأصبح ثمن
" نمرة العربية " يعادل ثمن " نصف نمرة سيارة تكسي عمومية "
أخذها راغب ( ثمن النمرة حالياً 12 ألف ليرة سورية ) .
ملاحظة أولى :
وهنا لا بد من
الإشارة إلى نقطة هامة في الموضوع ، وهي مصدر الثروة الضخمة لهذا الرجل ، فقد كان
يلجأ إلى تسجيل
" عربيات الحنطور " باسمه لقاء المبالغ القليلة التي كان يغرر بها أصحاب
هذه " الحناطير " ويوهمهم بأنه يساعدهم ، وعندما صدر قرار عام 1956
بإلغاء عربيات الحنطور ، أعلن أن كل نمرتين منها بنمرة عربية تكسي عمومية ، وكان
لديه /25/ نمرة عربية حنطور استبدلها بـ /12/ نمرة تكسي ثمن كل واحدة /12/ ألف
ليرة سورية.
الضحية الثالثة عشر
: " أبو عادل الحزاني " رهن لديه لقاء /75/ ليرة سورية
" عربية " ثم سجلها باسمه ، وكانت بين نمر العربيات التي أصبحت بسعر نصف
نمرة عربية التكسي ، أي ستة آلاف ليرة سورية .
الضحية الرابعة عشر
: " عبدو بن صالح نصري ، الملقب بأبي ياسين
الثلاج " يعمل " طنبرجي في سوق الهال " ، دفع له راغب /600/ ليرة
سورية ، وطوب الطنبرين باسمه ، وأخذ منه كل شهر ستين ليرة فائدة ، وأبو ياسين يدفع
هذه الضريبة منذ سنتين والحساب على القارئ .
الضحية الخامسة عشر
: نحتفظ باسمه لحين الطلب – رفض ذكر اسمه لخوفه
من رجال راغب – دفع له راغب ألف ليرة لشهرين بـ/1500/ ليرة سورية وبعد شهر تجمع
مبلغ ألف ليرة مع الضحية دفعه له ، ولكنه مع ذلك كتب عليه سنداً آخر بمبلغ /600/
ليرة سورية .
ملاحظة ثانية :
إن راغب المذكور
لديه عدة بيوت ، وخمسة دكاكين في " البزورية" وعدد كبير من الطنابر ،
وهو يتبع طريقة الاستغلال هذه منذ خمسة عشر عاماً .. ولا يتبعها إلا مع الفقراء
الجاهلين وأكثرهم لا يعرف القراءة والكتابة . بالإضافة إلى أنهم يخافون سطوته
ويخافون رجاله ، ولا يجرؤون على تقديم شكوى فهو يهددهم بقطع أيديهم ونسف بيوتهم إن
قاوموه أو حاولوا أن يتمردوا على إرادته ، وهو يحمل دائماً سلاحاً، وقد هدد الضحية
رقم /5/ بنسف بيته .
أضع الآن قصته أمام
السيد وزير الداخلية ، ورجال الدين ، وضمائر المواطنين ، والدوائر المسؤولة ،
وأطلب من رجال الشرطة حماية هؤلاء المواطنين منه حتى يتم التحقيق العاجل في هذا الموضوع
، وأنا مستعد لأضع بين أيد القضاء والتحقيق خمسين ضحية من ضحايا هذا الرجل .
ملاحظة : أصحاب
هذه الشكاوى قدموا إلى إدارة الجريدة وسجلوا شكواهم ، وقد سجلنا جميع أقوال هؤلاء
المواطنين على أشرطة .
النيابة العامة تحرك
الدعوى العامة :
نتيجة نشر التحقيق الصحفي
والثبوتيات الصارخة التي تضمنها، بادرت النيابة العامة إلى تحريك دعوى عاجلة في
اليوم التالي لنشر التحقيق وذلك ضد المدعو راغب البيطار وبناء على مانشر في جريدة
" النصر " وقد طلبت النيابة حضور من أوردهم التحقيق إلى المحكمة لأخذ
أقوالهم ومالديهم من شهادات .
المرابي يقيم دعوى
مضادة :
بعد أن حركت النيابة
الدعوى قام المدعو راغب البيطار فوراً بإقامة دعوى مضادة مستعجلة أمام المحكمة
الجزائية الأولى يمثله فيها المحامي عبد اللطيف الحمزاوي .. وقد أقام الدعوى على
المحرر جان الكسان كاتب المقال ، وعلى السيد منير الكيال ، وهو أحد مستكتبي
الجريدة واتهمه بأنه كان محرضاً على نشر الموضوع ، واتهم الجريدة بأنها شهرت به
لنشرها في العدد /4506/ من " النصر" تاريخ 11 شباط 1960 صورة له مع أحد
الضحايا واعتبر شرح الصورة ( مع الضحية رقم 5 ) تشهيراً به . وقد تطوع المحامي "نزار
عرابي " للدفاع عن محرر الجريدة ، وعندما نشرت التفاصيل ، أعلن ثمانون
محامياً – نشرت أسماؤهم في حينه – إنهم يتطوعون للدفاع عن الصحافة في هذه القضية .
المحكمة ترد ادعاء
المدعي راغب البيطار :
نظراً في القضية
قاضي المحكمة الجزائية الأولى الأستاذ عدنان مردم بك الذي رد ادعاء راغب البيطار
بأن في نشر الصورة تشهيراً به ، لأن شرح الصورة لم يوضح ما إذا كان المدعي إلى
يسار الصورة أو إلى يمينها ، بخاصة وأن لباسه لا يدل إلا على أنه واحد من "
الطنبرجية " .
التوصيف القانوني
لدعوى المرابي :
اعتبر المدعو راغب
البيطار أن التحقيق الصحفي الذي نشر في جريدة النصر ، ذماً وقدحاً به ، وأن
المحامي الذي مثله في الدعوى أشار إلى أن شرح الصورة في التحقيق التي كتب تحتها
" مع الضحية رقم 5 " هو تشهير بموكله وأن هذه الثبوتية تنطبق عليها
أحكام المواد المتعلقة بالذم والتحقير والقدح التي تمت بالوسائل العلنية من قانون
العقوبات العام الصادر بالمرسوم التشريعي رقم /148/ تاريخ 22/6/1949 . ووفقاً لهذه
المواد التي أوردها قانون المطبوعات العام الصادر بالمرسوم التشريعي رقم /53/
تاريخ 8/10/1949 يعاقب المحرر بارتكاب جريمة الذم والتحقير والقدح بواسطة
المطبوعات الدورية ، والتفاصيل التي عرضها محامي راغب البيطار ركزت على أن الصورة
وشرحها ، فضلاً عما ورد في التحقيق الصحفي ، كلها مؤشرات على القصد من إلحاق الأذى
بكرامة موكله ولصق صفات به وإعلانها على الناس للإنقاص من سمعته والتشهير به .
سير المحاكمة والحكم
الصادر :
بين شباط 1960 وآب
من العام نفسه ، عقدت المحكمة عدة جلسات استمعت إلى إفادة المحرر جان الكسان وإلى
إفادة منير كيال ، والى أقوال الضحايا شهود الإثبات .. وفي يوم الثلاثاء ، الثالث
والعشرين من آب 1960 ، الساعة التاسعة صباحاً ، أعلن القاضي براءة محرر الجريدة وزميله
من التهمة الموجهة إليهما ، وحكمت على راغب البيطار بغرامة مالية وبالسجن ثلاثة
أشهر .. وقد نشرت جريدة النصر وقائع الجلسة ونص الحكم في العدد 4666 الصادر صباح
يوم الخميس 25 آب 1960 ، على الصفحة الثالثة تحت عنوان
" حكمت المحكمة الجزائية الأولى على المرابي راغب البيطار بالسجن والغرامة
المالية " .
ووجهت الجريدة الشكر
للنيابة العامة ولرئيس المحكمة اللذين مثلا القضاء العادل الذي انتصر لمهمة
الصحافة في كشف المتلاعبين بأرزاق المواطنين ، كما وجهت الشكر إلى المحامين الذين
تطوعوا للدفاع عن مهمة الصحافة ودورها في خدمة قضايا المجتمع والمواطنين .
3- من دعاوى
الافتراء والذم والقدح ونشر الأخبار الكاذبة :
جو القضية :
تتعرض الصحافة بين
الحين والحين لإساءة فهم رسالتها خلال عملها الدائم لرصد السلبيات وتقصي الممارسات
الخاطئة في جميع القطاعات .
وكثيراً ما تضطر
للمثول أمام القضاء للدفاع عن الصحيفة أو أحد محرريها لنشرها معلومات أو شكاوى شعر
أحد أطرافها أن ما نشر يتناول بالتجريح أو التشكيك ، أو أنه مخالف للحقيقة بحيث
يقع تحت طائلة القانون .
وقد مارست صحيفة
البعث دورها الرقابي مستلهمة توجيه السيد الرئيس حافظ الأسد بعدم التستر على
الأخطاء وممارسة الرقابة على الجميع فلا أحد فوق الرقابة . وكانت الشكاوى المتعلقة
بأخطاء قاتلة تسفر عن خسائر بالأرواح أو ممارسات تؤدي إلى هدر الأموال العامة –
تثير اهتمام الصحيفة وتدفع جهازها إلى التقصي الميداني والاتصال بشهود العيان .
موضوع القضية :
نشرت البعث في العدد
رقم /7164/ تاريخ 22/9/1986 تحقيقاً صحفياً بعنوان " الطفل الذي خسره الوطن ،
خطأ جراحي يؤدي إلى الشلل " كتبه السيد أحمد العلي أحد المراسلين المعتمدين
في مكتب دار البعث بحلب يتضمن أن الدكتور فاروق النحاس أجرى عملية جراحية للطفل عبد
الرزاق حاج قاسم في مدينة حلب لمعالجة رضوض خطيرة في رأسه ، وقد أسفرت العملية –
وفقاً لأقوال والد الطفل التي نقلها المحرر – عن إصابة الطفل بشلل كلي في أطرافه
الأربعة وفقد حاسة النطق .
وروى التحقيق نقلاً
عن والد الطفل أن أطباء المشافي في الأردن ومصر وبلغاريا أفادوا أن العملية التي
جرت خاطئة بسبب تثقيب الصدغين الأيسر والأيمن في الرأس ، الأمر الذي أحدث رواسب
داخل الدماغ ، فتكلست عليه ، وكان من الصعب فتح الرأس وتنظيفه بدقة .
الطبيب يقيم الدعوى
:
وعلى الإثر أقام
الدكتور محمد فاروق النحاس والسيد رئيس فرع نقابة الأطباء في حلب ، عن طريق
محاميهما الأستاذ سالم كريم دعوى طالبين مقاضاة مدير دار البعث للصحافة والطباعة
والنشر والتوزيع ومحرر المقال ، أحمد العلي ، ومحمد حاج قاسم ، ووالد الطفل المصاب
، بتهمة نقل ونشر أخبار غير صحيحة عن سوء نية والافتراء والذم والقدح ، ومحاكمتهم
والحكم عليهم بالعقوبة القانونية بالنسبة للمدعى عليهم – محرر المقال ووالد الطفل
– وبتعويض قدره خمس مئة ألف ليرة سورية عن الضرر الحاصل .
كما طلبت الجهة
المدعية إلزام جريدة البعث بنشر الرد . وقد أكد الدكتور محمد فاروق نحاس ، في رده
على الصحيفة بعنوان " رد علمي على مقالة التشهير " أن حكم الجريدة الذي
نشر حول عملية الطفل عبد الرزاق حاج قاسم ، كان جزافياً ، ودون الرجوع إلى رأي
الطبيب أو حكم هيئة طبية مختصة وأن هذا الحكم اعتمد على أقوال والد الطفل ، الذي
اتهمه الرد بمحاولة الابتزاز المادي والاجتماعي .
وأضاف الطبيب : إن
الطفل موضوع القضية مصاب بأذية دماغية شديدة ، نتج عنها غياب وعي كامل مع انعدام
في المنعكسات واضطراب في التنفس ، وأن العملية أجريت بعد موافقة والد الطفل
واقتصرت على ثقب الجمجمة في ناحية الصدغين ، وأن حالة الطفل تحسنت بعد العملية ،
إلا أن الطفل ، بسبب الأذية الدماغية السابقة ، أصيب بضمور الدماغ التالي للرض
الشديد كما ثبت بالتصوير الطبقي المحوري لرأس الطفل .
الصحيفة تنشر رد
الطبيب وتعقيب المحرر عليه :
نشرت صحيفة البعث رد
الطبيب المدعي وأعقبته بمناقشة رد فيها المحرر على عناصر الرد ، واستغرب اقحام
نقابة أطباء حلب في الموضوع المتعلق بشكوى انسانية قبل إجراء أي تحقيق في الحادثة
، حتى من قبل النقابة نفسها ، كما استغرب اتهام والد الطفل بالابتزاز ولاسيما أن
وثيقة المشفى الذي أجريت فيه العملية ، أثبتت أن والد الطفل دفع أجور العملية
بكاملها للطبيب المشكو منه ، إضافة إلى أثمان الأدوية والدم .
ونوه المحرر بأن رد
الطبيب يوضح أنه أجرى العملية بناء على تشخيص سريري فقط ، ولم يلجأ إلى التصوير
الطبقي المحوري لأنه غير متوفر في حلب وتساءل : لماذا لم ينتظر الطبيب حتى تأمين هذا
النوع من التصوير في دمشق ؟ وأورد المحرر مجموعة من الأدلة والمعطيات الهادفة إلى
إظهار نواحي التعنت والتناقض في موقف الطبيب المدعي الذي انطلق أساساً من أنه
شخصياً فوق النقد بوصفه جراحاً عالمياً ، وأن أي تنويه نقدي بأعماله يرقى إلى حد
الطعن بالجسم الطبي كله ويستدعي استنفار نقابة الأطباء للتصدي ، وهو موقف انفعالي
غير مقبول ، ولا سيما في مواجهة الدور الرقابي الذي مارسته صحيفة البعث بموضوعية
ونزاهة .
وتساءل المحرر : كيف
يصح أن يتسرع فرع نقابة الأطباء في حلب لتبني وجهة نظر الطبيب فاروق نحاس قبل أن
يجري تحقيقاً دقيقاً في الحادثة ويتخذ موقفاً مبنياً على الخبرة والتحليل والرأي
العلمي ليكون قراره بالانحياز للمدعي سليماً ومستنداً إلى أدلة
موثوقة ؟
واشتمل الرد على
حالتين أخريين بالأسماء أجرى الطبيب المدعي فيهما عمليات جراحية لشخصين وفي
أعقابهما حدثت الوفاة ، وفي كل من هاتين الحالتين حصل الطبيب على أجره سلفاً ،
وكان المفروض أن يوضح لذوي المريضين أنها حالات ميئوس منها مادام على هذه الدرجة
من التضلع بالجراحة العصبية .
ومن الثابت أن السيد
وزير الصحة وجه كتاباً إلى الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش للتحقيق في حادثة
الطفل عبد الرزاق حاج قاسم ، ثم جرى طي الموضوع .
يضاف إلى ذلك أن
الطفل اصبح مشلولاً بعد العملية ، وقد أصر الدكتور النحاس على أن حالة الطفل
الراهنة ليست شللاً بل هي حالة انتانية ناتجة عن ضمور الدماغ الذي سبق أن تعرض قبل
أكثر من ثلاث سنوات لرضوض شديدة بسبب حادث صدم . أما العملية الجراحية فقد اقتصرت
على ثقب الجمجمة من ناحية الصدغين لمجرد الإبقاء على حياة المريض .
تعليق قانوني حول
الرد أو التصحيح :
فرق قانون المطبوعات
العام رقم /53/ الساري المفعول بين حالتين بالنسبة للرد أو التصحيح وهما :
- حالة أن يكون الرد
أو التصحيح من قبل الوزارات أو الإدارات أو المؤسسات صاحبة العلاقة. وفي هذه
الحالة يجب أن ينشر الرد مجاناً وفي أول عدد يصدر بعد استلام الرد أو التصحيح على
ألا ينشر هذا الرد في أية مطبوعة دورية أخرى ، وذلك وفقاً للمادة /40/ من القانون
المذكور .
- أما الحالة الثانية
فهي ما يشبه إلزام المطبوعات الدورية في نشر الرد والتصحيحات مجاناً التي تردها من
الأشخاص أو المؤسسات الواردة أسماؤهم أو المقصودين في المقالات أو الأخبار التي
تنشرها تلك المطبوعات ، على ألا يتأخر الرد إلى أكثر من عدد يصدر في اليوم الثاني
أو يصدر بعد اليوم الثاني من استلامها الرسالة التي تتضمنه ، ويرسل طلب النشر في
كتاب مضمون وذلك وفقاً للمادة /41/ من قانون المطبوعات العام المشار إليه أعلاه .
وفي القضية المثارة
على الطبيب ، فإن القانون يوجب نشر الرد أو التصحيح ولا يمانع من نشر تعقيب وتوضيح
عليه ، وهذا ما حصل بالنسبة للموضوع . إلا أن الطبيب استعجل الأمر وأقام الدعوى
حتى قبل نشر الرد إذ ظهر أن الجريدة لن تنشر له الرد حيث تأخر رده في البريد من
جهة ، وجرى الاتصال بالمحرر في حلب لتوضيح موقفه وتسجيل ذلك خطياً ليصار إلى نشره
مع الرد . ومع ذلك كانت فترة النشر ضمن المدة القانونية ، ولم تحذف الصحيفة منه
شيئاً على الرغم بأنه كان رداً بلغة غير اللغة المستعملة في المقال المردود عليه
ومتجاوزاً حجمه نصف حجم المقال المعترض عليه ، وذلك طبقاً للحالات التي عددتها
المادة /43/ من قانون المطبوعات العام .
السند القانوني
للدعوى :
يبدو واضحاً أن
الطبيب المدعي ومحاميه ذهبا إلى أن أخذ الصحيفة برأي المحرر ووالد الطفل الضحية ،
وأن الموضوع الصحفي بلغ حد نقل الأخبار غير الصحيحة ونشر أوراق مختلقة أو مزورة
منسوبة كذباً إلى الغير ، وطلب تطبيق المادة /65/ من قانون المطبوعات العام التي
تنص على الحبس حتى سنة وبالغرامة حتى مائة ليرة سورية ، أو بإحدى هاتين العقوبتين
إذا كان النشر أو النقل قد تم عن سوء نية أو سبب إقلاقاً للراحة العامة أو تعكيراً
للصلات الدولية أو نال من هيبة الدولة أو كرامتها أو ألحق ضرراً باقتصاديات البلاد
أو مس بالنظام أو بمعنويات الجيش والقوات المسلحة . ويحكم بالعقوبة نفسها كل من
ينشر أكثر من مرة حول موضوع واحد أخباراً أو مقالات متناقضة من شأنها إلحاق الأذى
أو جلب المنفعة لشخص طبيعي أو هيئة اعتبارية لقاء حصوله على مال أو كسب غير مشروع.
كما طالب المدعي
بتطبيق المادة /63/ من قانون المطبوعات التي تتناول جرائم الافتراء والذم والقدح
والتحقير المرتكبة بواسطة المطبوعات ، بدلالة المادة /393/ من قانون العقوبات التي
تتناول تقديم الشكايات أو الأخبار الهادفة إلى إبلاغ السلطة القضائية عن جنحة أو
مخالفة مختلفة .
وقد نظرت محكمة
استئناف الجزاء في حلب في اليوم التاسع والعشرين من شهر كانون الأول عام 1986 في
دعوى الدكتور محمد فاروق النحاس وفرع نقابة أطباء حلب على مراسل البعث بشأن هذه
القضية ، وبعد مراجعة البيانات المقدمة من الادعاء وأقوال المدعى عليه .
وحيث أن المدعي
ورئيس فرع نقابة الأطباء قدما ، عن طريق محاميهما سالم كريم ، طلباً إلى محكمة
الاستئناف أسقطا فيه حقهما الشخصي ، لذلك قررت المحكمة بجلستها يوم 29/12/1986 ،
القرار رقم /1313/ أساس 4638 الذي صدر عن هيئة محكمة استئناف الجزاء الثانية بحلب
:
باسم
الشعب العربي السوري
المستأنف
: محمد فاروق نحاس ورئيس فرع نقابة الأطباء بحلب المستأنف عليه : أحمد العلي ومحمد
الحاج قاسم ، ومدير دار البعث للصحافة والطباعة بصفته .
الجرم : افتراء وذم
وقدح ونقل أخبار كاذبة .
في الشكل : لما كان
الاستئناف مستوفياً شرائطه الشكلية ، فهو مقبول شكلاً .
في الموضوع : تقدم
المدعي بشكواه ضد المدعى عليهم ناسباً لهم قدحه وذمه والافتراء عليه بنشر أخبار
غير صحيحة في جريدة البعث، ثم اسقط حقه الشخصي .
ولما كانت الدعوى
العامة تسقط بسقوط الحق الشخصي .
لذلك ، وعملاً
بالمادة /250 أصول محاكمات جزائية / والمادة
/ 156 عقوبات / ، تقرر بالاتفاق :
1- إسقاط دعوى الحق
العام عن المدعى عليهم تبعاً لإسقاط الحق الشخصي .
2- إعادة الكفالة
للجهة المدعية .
3- تضمين الجهة
المدعية الرسم والمجهود .
صدر في 27/4/1407 هـ
وفي 29/12/1986 م حكماً مبرماً.
4 - من دعاوى الذم والتحقير
والقدح وإساءة استعمال وظيفته:
موضوع القضية :
نشرت صحيفة "
الفداء " التي تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر – فرع حماة – في
العدد رقم /6876/ الصادر بتاريخ 27/7/1985 مقالاً افتتاحياً بتوقيع أحمد ذويب
الأحمد ، رئيس التحرير آنذاك بعنوان " المطلوب كف يد مدير الهاتف بحماه
" .
وقد اتهم المقال
مدير هاتف حماه بهدر أموال الدولة قصداً ودون أي مسوغ قانوني ، وقال أن الصحيفة
حصلت على وثيقة تدل على أن مدير الهاتف المذكور سحب من إضبارة المدعو ( ع.ب )
وثيقة أتاحت له الاكتفاء بدفع الرسم العادي لتركيب الهاتف وهو /800/ بدلاً من
الرسم الاستثنائي وهو /2800/ ل.س
ويؤدي هذا التصرف
إلى تمكين صاحب الإضبارة من الاستثناء من الدور في تركيب الهاتف ، وذلك بالرسم
العادي بدلاً من الرسم الاستثنائي ، أي بوفر قدره ألفا ليرة سورية هي الفرق بين
الرسمين وتعود إلى جيب صاحب الطلب .
وذهب رئيس تحرير
الفداء في مقاله الافتتاحي المنشور بحرف أسود كبير إلى أن كل إضبارة مخالفة للدور
العادي ولا تحتوي على وثيقة تثبت أن صاحبها استثني من الدور ، فهي بالضرورة مزورة
، وقد مزقت وثيقتها الأصلية .
وقال أن الهدف من
إتلافه موافقة المدير العام للهاتف على الاستثناء واضح ومعروف ، وهو إتاحة الفرصة
لصاحب الطلب للتهرب من دفع الرسم الاستثنائي وبذلك حقق أمرين : أولاً تجاوز الدور
على حساب صاحب الدور الحقيقي ، وهو المواطن العادي الذي سجل دوراً منذ أكثر من عشر
سنوات . وثانياً ، أتاح لصاحب الطلب دفع الرسم العادي بدلاً من الاستثنائي وفوت
على خزانة الدولة فارق الرسم الاستثنائي .
وأضاف رئيس التحرير
أن أحد العمال شاهد مدير هاتف حماه وهو يرفع الوثيقة من إضبارة المدعو ( ع.ب )
ويمزقها ثم يلقيها في سلة المهملات . وقد عز على هذا العامل أن يسكت على هذا
التصرف المضر بالأموال العامة ، ولاسيما وهو يصدر عن مسؤول يفترض فيه الحرص على
هذه الأموال وتجنب هدرها ، ولهذا أبلغ الصحيفة بالواقعة .
وقد حصلت صحيفة
الفداء على هذه الوثيقة التي مزقها مدير هاتف حماه وهدد رئيس تحرير الصحيفة بنشرها
إذا لم تكف يد المدير المذكور بعد ارتكاب هذه المخالفة واحتمال الإقدام على غيرها
.
وطالب رئيس التحرير
باستئصال هذا النوع من الموظفين الذين يسهمون في السلبيات ووضع العراقيل أمام
مسيرة التنمية انطلاقاً من قول الرئيس القائد حافظ الأسد :
" عندما نرى أن
مسؤولاً على أي مستوى من المستويات لا يتحمل مسؤوليته كاملة ولا يقوم بما ترتبه
هذه المسؤولية ، يجب أن نندد به في كل مكان وعلى الجهة صاحبة الاختصاص الأعلى أن
تحاسب ، وإذا لم تفعل فهي بدورها يجب أن تحاسب" .
تفاعلات القضية :
عزز أقوال الصحيفة
السيد ( م.ع ) الموظف لدى قسم العقود في مديرية هاتف حماه ، وزود الصحيفة بالوثيقة
المنتزعة من معاملة السيد (ع.د) رئيس مركز هاتف بسيرين ، وقال أن هذه الوثيقة
تتضمن موافقة المدير العام للهاتف واللجنة الوزارية على تزويد صاحب المعاملة
بالهاتف لقاء رسوم مضاعفة على الاستثناء ، وأكد أن مدير هاتف حماه مزق الوثيقة
وقال للشاهد " اعتبرها غير موجودة" ، ولكنه جمع أجزاءها الممزقة وجاء
بها إلى الجريدة كدليل على ما حدث أمامه ، وأكد أن الغاية من تمزيقها هي تنفيذ طلب
الهاتف برسم عادي بدلاً من الرسم الاستثنائي وحرمان الخزينة من ألفي ليرة سورية .
القضية أمام بعثة
تفتيشية :
ونتيجة لنشر هذا المقال
شكل السيد المدير العام للهاتف بعثة تفتيشية أرسلت إلى حماه للتحقيق في المخالفات
الهاتفية بالريف واستمعت البعث إلى أقوال ( ع.س ) ممثل التنظيم النقابي في تجمع
البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية في حماه الذي أكد وجود مخالفات هاتفية بطلها
مدير هاتف حماه نفسه ، وترتكب بالتواطؤ مع رئيس قسم العقود للمدينة والريف الذي
يتصرف بالأضابير التي تحوي الوثائق الرسمية ، ورئيس دائرة الاستثمار .
وأضاف أن هؤلاء
الثلاثة حضروا إلى المكاتب في يوم عطلة وفتشوا بعض الأضابير لتمزيق وثائق رسمية
تعود إلى فترة مدير الهاتف السابق .
وشرح الشاهد الجرم
الذي نشرته صحيفة الفداء فقال ان السيد
(ع.د) رئيس مركز هاتف بسيرين حصل على موافقة لتركيب هاتف في منـزله شريطة دفع
الرسم الاستثنائي وهو /2800/ ليرة سورية، ولكن وثيقة الموافقة سحبت من معاملته ،
ونفذ الطلب بالرسم العادي ، وطالب الشاهد بالتحقيق مع مدير هاتف حماه ورئيس قسم
العقود وإحالتهم إلى الجهات المختصة لاستقصاء ما ارتكبوه من مخالفات أخرى .
كما استمعت البعثة
التفتيشية إلى إفادة (م.ع) الموظف في قسم العقود بمديرية هاتف حماه الذي أكد
الواقعة بصفته شاهد العيان ، وقال ان السيد ( م . ج ) مدير هاتف حماه استدعاه في
بداية عام /1984 / وطلب منه إحضار طلب اشتراك ( ع.د ) من بلدة بسيرين، وحينما جاءه
بالمعاملة أقدم – أي مدير هاتف حماه – على سحب موافقة المدير العام للهاتف بالرسم
الاستثنائي ومزقها وقذف بها في سلة المهملات أمام الشاهد ، وطلب منه اعتبار هذه
الوثيقة غير موجودة وتنفيذ المعاملة بالرسم العادي .
وأكد الشاهد أنه
ناقش رئيسة حول صحة هذا التصرف وقال له أن هذه الوثيقة تحمل رقماً وتاريخاً ولها
قيود في المديرية العامة بدمشق ، وستظهر هذه المخالفة حتماً بمجرد مقابلة القيود
مع بعضها ، ولكن مدير هاتف حماه أصر على موقفه وشدد على الشاهد لتنفيذ الطلب
بالرسم العادي ، فحمل الأخير المعاملة والوثيقة الممزقة ، وبعد أن نظم قائمة
المطالبة للمشترك صاحب العلاقة بالرسم العادي احتفظ بالوثيقة ، ولم تسنح له الفرصة
بكشف حقيقة هذا التصرف إلا بعد نشره في صحيفة الفداء وقدوم البعث التفتيشية
للتحقيق حول ما نشرته الصحيفة .
مدير الهاتف يقيم
الدعوى :
أقام السيد مدير
هاتف حماه الدعوى على السيد أحمد ذويب الأحمد رئيس تحرير جريدة الفداء ، أمام
محكمة بداية الجزاء في حماه ، بتهمة إساءة استعمال الوظيفة والذم والتحقير ، بناء
على المواد 366 و 373/1 و 375 من قانون العقوبات لنشره المقال المتضمن اتهام
المدعي . وهذه المواد توصف جرائم التحقير والذم والقدح ، فالمادة /373/ نصت على ما
يلي :
1- التحقير بالكلام
والحركات أو التهديد الذي يوجه إلى موظف في أثناء قيامه بالوظيفة أو في معرض قيامه
بها أو يبلغه بإرادة الفاعل .
والتحقير بكتابة أو
رسم علنيين أو مخابرة برقية أو تلفونية إذا وجه إلى موظف في أثناء قيامه بوظيفته
أو في معرض قيامه بها ، يعاقب عليه بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر .
2- إذا كان الموظف
المحقر ممن يمارسون السلطة العامة ، كانت العقوبة من شهرين إلى سنة .
3- وإذا وقع التحقير
بالكلام والحركات أو التهديد على قاض في منصة القضاء ، كانت العقوبة الحبس من ستة
أشهر إلى سنتين .
ونصت المادة /375/
على ما يلي :
1- الذم هو نسبة أمر
إلى شخص ولو في معرض الشك أو الاستفهام ينال من شرفه أو كرامته .
2- وكل لفظة ازدراء
أو سباب وكل تعبير أو رسم يشفان عن التحقير ، يعد قدحاً إذا لم ينطوِ على نسبة أمر
ما ، وذلك دون التعرض لأحكام المادة /373/ التي تتضمن تعريف التحقير .
وبموجب هاتين
المادتين والمادة /366/ القاضية بتجريم من يسيء استعمال الوظيفة الموكلة إليه ، نظرت
المحكمة في القضية المعروضة عليها ، دون أن يشير المدعي إلى قانون المطبوعات العام
والمواد التي تخص جرائم النشر .
حكم المحكمة :
نظرت محكمة بداية
الجزاء المذكورة بتاريخ 19/5/1987 في هذه الدعوى ، وأعلن المدعي إسقاط حقه الشخصي ،
وبعد التداول قررت المحكمة عدم الاختصاص فيما يتعلق بجرائم الذم والتحقير ،
وإحالتها إلى القضاء العسكري ، ثم نظرت في تهمة إساءة استعمال الوظيفة المنسوبة
إلى رئيس تحرير الفداء ، فأصدرت قراراً بتجريمه وفقاً للمادة /366/ من قانون
العقوبات ، والحكم عليه بالسجن
شهراً وتغريمه مائة ليرة سورية تستبدل بالحبس عشرة أيام في حال عدم الدفع .
المدعى عليه يستأنف
الحكم :
بادر السيد أحمد
ذويب الأحمد رئيس تحرير الفداء إلى استئناف الحكم لدى محكمة الاستئناف التي نظرت
في قرار محكمة بداية الجزاء ، ولاحظت أن إسقاط الحق الشخصي من قبل المدعي في هذه
الحالة يوجب التوقف عن السير في الدعوى العامة وتطبيق المبادئ الواردة في قانون
مجلس التأديب وفسخ الحكم المستأنف ، وبالتالي وقف التتبع القانوني بحق رئيس تحرير
الفداء .
5 – من دعاوى إثارة
الفتنة والتحريض :
شهد القضاء العسكري
السوري في يوم الأربعاء الموافق للعاشر من أيار /1967/ أول محاكمة من نوعها في
تاريخه ، وتنفرد هذه القضية بأن المدعى عليهم عسكريون عاملون في الجيش ، اعتبروا
مسؤولين عن مقال مدسوس في مجلة حكومية أثار احتجاجات شديدة من قبل الأوساط الدينية
الإسلامية والمسيحية ، وبلغ من كثافة هذه الاحتجاجات أنها أحدثت جواً داخلياً
متوتراً في ظروف اشتد فيها التواطؤ الرجعي ، وتصاعدت تهديدات الكيان الصهيوني
للقطر العربي السوري .
وقد نشر المقال
المذكور في العدد رقم /794/ من مجلة " جيش الشعب " الصادر في 25 نيسان
عام 1967 تحت عنوان " الطريق لخلق إنساننا العربي الجديد ) بقلم المرشح إبراهيم
خلاص ، وجاء فيه:
" استنجدت أمة
العرب بالاله ، فتشت عن القيم القديمة في الاسلام والمسيحية ، استعانت بالنظام
الإقطاعي والرأسمالي وبعض النظم المعروفة في القرون الوسطى ، كل ذلك لم يجد فتيلاً
" .
وقال : " القيم
المريضة وليدة الرأسمال والإقطاع والاستعمار جعلت الإنسان العربي متخاذلاً
متواكلاً ، إنساناً جبرياً مستسلماً للقدر لا يعرف إلا أن يقول ( لا حول ولا قوة
إلا بالله العلي العظيم ) .
وانتهى إلى القول :
" إن الطريق الوحيدة هي خلق الإنسان الاشتراكي العربي الجديد الذي يؤمن ( ان
الله والأديان والإقطاع والرأسمال والاستعمار والمتخمين وكل القيم التي سادت
المجتمع السابق ليست إلا دمى محنطة في متحف التاريخ )" .
وأضاف : " إذ
نشترط في الإنسان الجديد رفضه للقيم السابقة ، علينا أن نضع قيماً جديدة ، ليست
هناك سوى قيمة واحدة هي الإيمان المطلق بالإنسان الجديد الذي لا يعتمد سوى على
نفسه وعمله وما يقدمه للبشرية جمعاء " .
كما قال " لسنا
بحاجة إلى إنسان يصلي ويركع خاشعاً ذليلاً ، بل نحن بحاجة إلى إنسان اشتراكي ثائر
" .
تفاعلات القضية :
وقد تنصلت "
مجلة جيش الشعب " في عددها التالي رقم /795/ من هذا المقال ونشرت في أولى
صفحاتها مكان المقالة الافتتاحي تصريحاً صادراً عن ( مسؤول في قيادة الجيش ) جاء
فيه : " إن كاتب هذا المقال السخيف لقي ما يجب أن يلقاه ، وللقضاء أن يقول
كلمة الحق فيه ، ولقي نفس المصير المسؤول عن التحرير في المجلة".
وأضاف التصريح
" هذا المقال السخيف المارق المتطاول ، ماهي دوافعه ؟ ان كاتب المقال وكل
مسؤول عن كتابة هذا المقال مدسوس على مسيرة الشعب ومسيرة الجيش ، إنه لغم وضع في
غفلة عن الأعين الساهرة ليفجر في الوقت المناسب ، إنه لغم للاستعمار ، لعبدة الذهب
والدولار من دون الله ، ونقول للذين فجروه باءت خطتكم بالفشل لأن المسؤولين
الثوريين يفهمون جيداً الغث من الثمين " .
وفي مساء السابع من
أيار /1967 / صدر بيان عن الحاكم العرفي جاء فيه :
" إن المقال
الآثم المدسوس على مجلة جيش الشعب حلقة في المؤامرة الأمريكية الإسرائيلية –
الرجعية ، استخدمت العناصر الرجعية المعادية للثورة للتشكيك بالقيم الجماهيرية ،
وأثبتت التحقيقات التي أجرتها الجهات المسؤولة أن المقال وكاتبه لم يكونا إلا من
أدوات المخابرات التي استطاعت أن تتسرب وأن تحقق الأهداف الأثيمة التي رسمتها
لأحداث البلبلة في صفوف المواطنين " .
وربط البيان بين نشر
هذا المقال وتحركات بعض الشيوخ والتجار آنذاك ، فقال " وفي الوقت نفسه حاول
حلفاء الاستعمار من كبار التجار الذين اعتادوا امتصاص دماء الشعب واحتكار أقواته
أن يستغلوا الفرصة للوثوب على مكاسب الجماهير في محاولة بائسة للعودة بعجلة التاريخ
إلى الوراء " .
القضية أمام محكمة
عسكرية استثنائية :
على أثر نشر المقال
، أعلن تشكيل المحكمة العسكرية الاستثنائية برئاسة المقدم الركن مصطفى طلاس وعضوية
كل من الرائد رفيق حلاوة والرائد الركن الجوي محمود عزام والرائد موسى العلي
والرائد خالد بدوي ، ومثل النيابة العامة الملازم الأول علي نداف ، وذلك للنظر في
قضية المقال المدسوس والبت بها من الناحية القضائية.
وقد اجتمعت المحكمة
في الساعة الثامنة والنصف من مساء العاشر من أيار 1967 ، واستمعت إلى أقوال المتهم
المرشح محمد إبراهيم خلاص ، حول المقال المدسوس الذي نشره في مجلة جيش الشعب ،
والذي وصفه الخبر المنشور عن الجلسة بأنه تضمن الإساءة إلى المعتقدات الدينية
والشعور القومي .
ثمَّ استمعت المحكمة
إلى أقوال المتهم عدنان حمام ، رئيس تحرير المجلة حول مسؤوليته عن نشر المقال
المشبوه .
وبعد ذلك أعلن رفع
الجلسة إلى الساعة العاشرة ، من صباح اليوم التالي للتدقيق وإصدار الحكم .
وقد تحدث الدكتور
حبيب حداد عضو القيادة القطرية آنذاك في ندوة جماهيرية عقدت في اليوم التالي ،
فقال : إن خطة المتآمرين لتطوير عدوان السابع من نيسان فشلت ، فاستمروا في التآمر
والبحث عن خطة جديدة ، وكان لابد من حادثة معينة تستغلها الفئات الرجعية
والاستعمارية ، فكان المقال المدسوس على مجلة جيش الشعب ، كما توضح من التحقيقات
حلقة في خطة المؤامرة . وأكد أنه ثبت من المقال أن صاحبه ومن وراءه دُمى حركتها
الاستخبارات الأمريكية كما حركت غيرهم من الرجعيين الذين حاولوا أن يستغلوا الدين
.
ومن الواضح أن
المسؤولين آنذاك ربطوا بين نشر هذا المقال وبين حركات الاحتجاج المكثفة التي أعقبت
صدوره ، واتخذت شكلاً واسعاً شارك فيه رجال الدين الإسلامي والمسيحي ، كما اعتبر المسؤولون
دس المقال المذكور مقصوداً لتبرير موجه الاحتجاجات الواسعة التي كانت تستهدف – وفق
أقوال المسؤولين – نهج الحكم وسياسة التأميم والتي اعتبرت مدفوعة من قبل الاستعمار
والرجعية لإحداث البلبلة متذرعة بذلك المقال .
التوصيف القانوني
للقضية :
إن قضية نشر مقال
مدسوس القصد منه التعرض للقيم العامة وإثارة الفتنة والتحريض، هو من الجرائم
الموصوفة في المادة الخامسة من القانون رقم /169/ تاريخ 12/5/1954 التي تنص على أن
كل مطبوعة دورية تدعو إلى تغيير دستور الدولة بطرق غير دستورية ، أو إلى تأييد
الحكم غير الدستوري أو إلى العصيان ضد السلطات القائمة بموجب أحكام الدستور .
يعاقب المسؤولون عنها بإلغاء رخصتها علاوة على العقوبات المنصوص عليها في القوانين
النافذة .
وقانون العقوبات
السوري في المادة رقم /293/ اعتبر هذا الفعل جناية حيث نصت المادة المذكورة على ما
يلي :
1- كل فعل يقترف
بقصد إثارة عصيان مسلح ضد السلطات القائمة بموجب الدستور يعاقب عليه بالاعتقال
المؤقت .
2- إذا نشب العصيان
عوقب المحرض بالاعتقال المؤبد ، وسائر العصاة ، بالاعتقال المؤقت خمس سنوات على
الأقل .
كما أن مثل هذه
الجرائم ينطبق عليها منطوق المادة /307/ من قانون العقوبات السوري التي قالت :
1- كل عمل وكل كتابة
وكل خطاب يقصد منها أو ينتج عنها إثارة النعرات المذهبية أو العنصرية أو الحض على
النـزاع بين الطوائف ومختلف عناصر الأمة يعاقب عليه بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين
وبالغرامة من خمس وعشرين ليرة إلى مائتي ليرة سورية، وكذلك بالمنع من ممارسة
الحقوق المذكورة في الفقرتين الثانية والرابعة من المادة /165/ ( أي ممارسة الحقوق
المدنية والسياسية ).
2- ويمكن للمحكمة أن
تقضي بنشر الحكم .
وهكذا يتضح أن هذه
القضية لا توصف بقانون المطبوعات الذي حظر نشر مثل هذه المقالات وإنما يستند في
توصيفها أيضاً إلى قانون العقوبات الذي اعتبر هذه الجرائم من الجنايات الخطرة وحدد
عقوبات قاسية عليها .
سير المحاكمة والحكم
الصادر :
وقد اجتمعت المحكمة
العسكرية الاستثنائية برئاسة المقدم الركن مصطفى طلاس في اليوم العاشر من أيار
للنظر في هذه الدعوى[1] وقررت
الادعاء على المرشح فاتح سماني الذي قام بتقديم المقال المذكور بواسطة البريد إلى
رئيس التحرير ، وأكد المتهم النقيب عدنان حمام للمحكمة أن المرشح فاتح سماني يقوم
بوظيفة رئيس ديوان المجلة ، ويقوم بعرض بعض المواضيع عليه بعد أن يفتح مغلفاتها
ويطلع على مضمونها .
ثم تلا رئيس المحكمة
قرارها ، وفيما يلي نصه :
" أولاً –
تجريم المتهم محمد إبراهيم خلاص بجناية إثارة الفتنة الدينية عملاً بأحكام المادة
/3/ من المرسوم التشريعي رقم /6/ لعام 1965 والمعاقب عليها بالمادة الرابعة من
المرسوم المذكور ، والحكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة .
ثانياً – تجريم
المتهمين : عدنان حمام وفاتح السماني بجناية التدخل في إثارة الفتنة الدينية
المنصوص عليها في المادة الثالثة والمعاقب عليها في المادة الرابعة من المرسوم
التشريعي رقم /6/ لعام 1965 بدلالة المادتين 218 و 219 من قانون العقوبات العام ،
والحكم عليهما بالأشغال الشاقة المؤبدة .
ثالثاً –تجريد كل من
المرشح إبراهيم خلاص والنقيب عدنان حمام والمرشح فاتح سماني مدنياً ، وطردهم من
الجيش ، عملاً بأحكام المواد /165 و 166 و 167 / من قانون العقوبات العسكري
والمواد /43 و 49 و 63 و 65 / من قانون العقوبات .
رابعاً – تضمينهم
بالتساوي رسم القرار .
قراراً وجاهياً
قابلاً للتصديق من قبل رئيس الدولة.
صدر وأفهم علناً حسب الأصول .