Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

المبحث الثاني

مفهوم حرية الصحافة

 

حرية الصحافة : تعني عدم وجود إشراف حكومي أو رقابة من أي نوع كما تشمل حق الناس في إصدار الصحف دون قيد[1] . وحرية الصحافة وفق المفهوم الليبرالي هي نقل الأفكار والآراء والمعلومات بدون قيود حكومية بهدف تشجيع نقل الأفكار التي تتيح سهولة ودقة اتخاذ القرارات المناسبة حول الشؤون العامة وصالح المجتمعات .

       وتخدم حرية الصحافة وفق مفهوم المجتمع الحر المفتوح خمس قيم ومصالح :

1-             حق الفرد في الانضمام إلى المعترك السياسي .

2-              السعي إلى معرفة الحقيقة السياسية .

3-              تسهيل الوصول إلى حكم الأغلبية .

4-              كبح جماح الطغيان والفساد والعجز في الأداء .

5-              الاستقرار[2]

والحرية المطلقة لا وجود لها إذ أنها سواء في الدول المتقدمة أو المتخلفة مهددة بأخطار تختلف في نوعيتها ما بين ضغوط رجال المال أو السياسة أو الحكومة .

فكل الحكومات في جميع البلاد تخضع لغريزة اجتماعية هي الرقابة وليس من السهل تحقيق الثقافة المفتوحة والحكومة في المجتمعات الحرة المفتوحة تفرض عقوبة على الكلام الذي يعتبر ضاراً بالأمن القومي أو النظام الاجتماعي أو الآداب العامة .

مثال : فرض الرقابة العسكرية الأمريكية قيود صارمة على التغطية الصحفية لحرب الخليج الثانية .

أما المفهوم الاشتراكي لحرية الصحافة فقد حدده لينين في تمكين جميع المواطنين من التعبير عن آرائهم بحرية من خلال وضع المطابع تحت تصرف العمال ومنظماتهم[3] ولكن الواقع كشف زيف هذه الحرية التي فرضت على الحرية الالتزام بالرأي الواحد للحزب الشيوعي .

وإذا كان المفهوم الشيوعي قد وقع في أسر الخداع والتضليل فإن المفهوم الفاشي اتسم بالصدق والإنكار حيث عبر عنه هتلر ( على الدولة ألا تفقد جادة الصواب بسبب الخزعبلات المسماة حرية الصحافة وعلى الدولة ألا تنسى واجبها وعليها أن تقبض بيد من حديد على أداة تكوين الشعب الصحافة وتضعها في خدمة الدولة والأمة)[4] وعلى الرغم من أن معظم حكام دول العالم الثالث لا يكفون عن ترديد الشعارات المناصرة لحرية الصحافة في الوقت الذي يطاردون فيه الصحافة والصحفيين بأغلظ العقوبات والقيود وتنفرد دول العالم بمفهومها خاص لحرية الصحافة برفض أن تكون الصحافة في مواجهة الحكومة ويرى أن تكرس الصحافة نفسها لتحقيق الوحدة الوطنية والتنمية من خلال إمداد كل القطاعات الاجتماعية بالأخبار الضرورية وبالمعلومات تحت حراسة الحكومة المركزية[5] والغريب أن العديد من دول العالم الثالث لا تزال ترفع شعارات التنمية والوحدة الوطنية والاستقرار كذرائع لحرمان شعوبها من الديمقراطية والحرية رغم مرور عدة عقود على استقلالها الأمر الذي يكشف مواقفها العدائية من حرية الصحافة .

وهكذا تختلف مفاهيم حرية الصحافة في النظم السياسية باختلاف فلسفاتها والمصالح التي تخدمها .

ففي المجتمعات الغربية تخص حرية الصحافة الفرد أولاً ثم الجماعة الخاصة( سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية ) ثانياً .

وفي المجتمعات الاشتراكية تعد حرية الصحافة حقاً اجتماعياً مفوضاً لحزب السلطة بافتراض أنه ممثل الشعب أما في العالم الثالث فإن حرية الصحافة امتياز حكومي يخص العديد من المصالح الراسخة سواء كانت سياسية أم اقتصادية أو عرفية أو قبلية أو مركز قوة
( الجيش مثلاً )[6]

وعليه فإن الطرح الأمثل لمفهوم حرية الصحافة : إن حرية الصحافة هي حق الشعب بمختلف تياراته وجماعاته وطبقاته في إصدار الصحف والحصول على الحقائق والتعبير عن الآراء والأفكار ومراقبة مؤسسات الحكم وقطاعات المجتمع المختلفة وحثها على تصويب ممارستها في إطار يخدم المصالح العامة للمجتمع ويوازن بين حقوق الأفراد والجماعات ويلتزم بالقيم الدينية والأخلاقية ويكفل تحقيق الاستقلالية والوحدة والتقدم .

حرية الصحافة في إطار المواثيق الدولية :

أكدت م 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (10 كانون الأول 1948) على حق كل شخص في حرية الرأي والتعبير وإصدار الصحف وحرية استقاء الأنباء والأفكار وإذاعتها بأي وسيلة وبغض النظر عن الحدود .

كما أكدت المادة 19 من الاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية 1966 في الفقرة الأولى والثانية على الحق في اعتناق الآراء والحق في التعبير والمعلومات ، كذلك الأمر بالنسبة للعديد من المواثيق الدولية والإقليمية منها الوثيقة الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان وإعلان اليونسكو للإعلام 1978 والمبادئ الخاصة بالنظام العالمي الجديد للإعلام والاتصال 1980

وتختلف الدول في شكل التزامها بالقانون الدولي لحقوق الإنسان فهناك دول تأخذ بمبدأ أحادية القانون ومن ثم تعتبر الاتفاقيات الدولية جزءاً من قانونها الوطني وهناك دول تأخذ بمبدأ القانون العام وتنظر للقانون الدولي على أنه مصدر عرض لقانونها المحلي[7]

أما الفئة الثالثة فتعتبر القانون الدولي مرجعاً لتفسير القانون الوطني .

وحيث أن القانون السوري يسير على هدى نظرية أحادية القانون فإن النصوص ذات الصلة وخاصة نص م 19 عن الإعلان الأولي لحقوق الإنسان يعد جزءاً لا يتجزأ من قانوننا الوطني وله سمو في التطبيق أمام المحاكم الوطنية .

وعلى الرغم من جهود المنظمات الدولية في تطوير مفهوم مشترك لحرية الإعلام يضع في الاعتبار الاختلافات الفكرية والمصالح السياسية والاقتصادية المتباينة سيما جهود اليونسكو لصياغة وإقرار نظام إعلامي دولي جديد فإنها لم تعد تواكب تحديات الثورة الاتصالية المعاصرة ومعارضة الدول الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية التي تتعمد إفشال كافة المفاوضات الجارية بهذا الشأن .

وفي إطار ما يشهده المجتمع الدولي من معايير مزدوجة داخل منظمة الأمم المتحدة وانتهاك سافر للقرارات الدولية بمباركة أمريكية فإنه لا ينبغي أن نعول كثيراً على الضمانات القانونية الدولية لحرية الصحافة  .

 

حرية الصحافة في الدساتير :

حرصت كل الدساتير في الدول الديمقراطية والديكتاتورية على تأكيد ضمانات دستورية لحرية الصحافة ، إلا أن هذه الضمانات غالباً ما تناقضت مع النصوص القانونية والممارسات الإعلامية لحرية الرأي والتعبير من ثم صدقت المقولة أن الدستور لا يصنع الحرية وإنما الحرية هي التي تصنع الدستور .

ولعل النصوص الدستورية الأولى تمثلت في دستور ولاية فرجينيا الأمريكية سنة 1776 الذي نص على أن حرية الصحافة هي إحدى الأعمدة الأساسية للحرية ولا يمكن تقييدها إلا من جانب الحكومات الاستبدادية .

ثم التعديل الأول للدستور الاتحادي الأمريكي سنة 1787 الذي قيد سلطة الكونجرس في وضع تشريع يقيد حرية الصحافة .

وباستثناء دستوري عامي 1814 و 1851 اللذان يمثلان ارتداداً عن مبدأ حرية الرأي في فرنسا أكدت الدساتير الفرنسية الصادرة 1791 – 1830 – 1848 – 1875 على أن حرية كل إنسان مكفولة في التعبير عن أفكاره بالكلام والطباعة والنشر .

أما دستور سنة 1958 فلم يعد ينص على حرية الصحافة واكتفى بنصوص قانون 1881 الذي سمي قانون الانعتاق والحرية .

وأجمعت الدساتير العربية على أن حرية الصحافة مكفولة في حدود القانون ( الدستور الأردني 1952 – الدستور الكويتي 1962 – الدستور اللبناني 1947 – الدستور الصومالي 1960 – الدستور المصري 1970 ) .

أما الدستور السوري الصادر في 12/3/1973 فلقد نصت المادة 32 منه على أن ( لكل مواطن الحق في أن يعرب عن رأيه بحرية وعلنية بالقول والكتابة وكافة وسائل التعبير الأخرى وأن يسهم في الرقابة والنقد البناء بما يضمن سلامة البناء الوطني والقومي ويدعم النظام الاشتراكي وتكفل الدولة الصحافة والطباعة والنشر وفقاً للقانون.

وكانت المادة الثالثة من الدستور قد نصت على ما يلي : إن حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في المجتمع والدولة ويقود جبهة وطنية تقدمية تعمل على توحيد طاقات جماهير الشعب ووضعها في خدمة أهداف الأمة العربية .

وبموجب هذه المادة الدستورية فإن حزب البعث العربي الاشتراكي هو المهيمن على القيادة السياسية في الدولة فما هي نظرة الحزب إلى حرية الرأي ؟

ينص دستور الحزب الذي أقره مؤتمر الحزب التأسيسي الأول عام 1947 في المبدأ الثاني وتحت عنوان شخصية الأمة العربية على ما يلي :

حرية الكلام والاجتماع والاعتقاد والفن مقدسة لا يمكن لأي سلطة أن تنقصها ، وتنص المادة الخامسة من دستور الحزب على أن
حزب البعث العربي الاشتراكي شعبي يؤمن بأن السيادة هي ملك الشعب وأنه وحده مصدر كل سلطة وقيادة وأن قيمة الدولة ناجمة عن انبثاقها عن إرادة الجماهير كما أن قدسيتها متوقفة على مدى حريتهم في اختيارها لذلك يعتمد الحزب في أداء رسالته على الشعوب ويسعى للاتصال به اتصالاً وثيقاً ويعمل على رفع مستواه العقلي والأخلاقي والاقتصادي والصحي لكي يستطيع الشعور بشخصيته وممارسة حقوقه في الحياة الفردية والقومية .

وتنص المادة 17 من دستور الحزب على ما يلي : يعمل الحزب على تعميم الروح الشعبية " حكم الشعب " وجعلها حقيقة حية في الحياة الفردية ويسعى إلى وضع دستور للدولة يكفل للمواطنين العرب المساواة المطلقة أمام القانون والتعبير الحر عن إرادتهم واختيار ممثليهم اختياراً صادقاً ويهيئ لهم بذلك حياة حرة ضمن نطاق القوانين.

وجاء في المنهاج المرحلي لثورة الثامن من آذار عن مهمة الإعلام ما يلي :

للإعلام دور مهم في دفع عجلة الثورة إلى الأمام فهو يسعى مع أجهزة التربية الأخرى إلى تصفية أفكار المجتمع القديم وتعبئة الشعب وراء الأهداف القومية وحفزه إلى المزيد من العمل من أجل إنجاح برامج الإنماء ، وتود حكومة الثورة أن تنوه إلى أنها لا تتوخى في سياستها الإعلامية الدعاية السياسية والحصول على التأييد وأنها ترفض الأساليب السلبية المعروفة عند النظم الديكتاتورية الفردية المعتمدة على مخاطبة الغرائز والكذب على الشعب وشتى أصناف التأثير النفسي وعلى ذلك فسيكون الإعلام رديفاً للتربية والثقافة التي تهدف جميعها إلى تنمية ميول الخير عند الفرد وتجديد تفكيره وبناء شخصيته من جديد على أسس أخلاقية ووطنية وإنسانية بعيدة عن قيم المجتمع الإقطاعي البرجوازي المتخلف .

وقد جاءت مقررات الحزب القومية والفكرية لتؤكد على الحريات العامة ومنها حرية الإعلام . فقد جاء في مقررات المؤتمر القومي الرابع المنعقد في تشرين الأول عام 1963 عن رسالة الإعلام : ( إن التزام الحقيقة هو عامل أساسي في ممارسة الديمقراطية الشعبية على نحو ثوري ) ( إن حجب الحقيقة عن الجماهير تنكر لأبسط مقتضيات الديمقراطية وهو شك في حكمتها وقدرتها على التمييز بين الخطأ والصواب إن المصارحة بالحقيقة لن تثبط العزم الثوري للجماهير عندما تقودها طلائع ثورية متمرسة واعية بل بالعكس ستؤمن تعبئة جدية وتخطيطاً واعياً لتعبئته في ظرف آخر وفي مرحلة أخرى ) .

أما المؤتمر القومي الخامس للحزب المنعقد بين 8-14 أيار 1971 فقد قرر :

( العمل على أن تكون الثقافة للجماهير وتحقيق مبدأ مركزية التوجيه الإعلامي ) .

أما المؤتمر القومي السادس المنعقد بين 5 – 15 / نيسان 1975 فقد نص بالقرار رقم 29 وفي المجال الداخلي العمل على أن يكون الإعلام ملتزماً في كافة المستويات والمجالات إذاعة – تلفزيون – صحافة .

والمؤتمر القومي السابع المنعقد ما بين 12/12/1979 و 6/1/1980 في مجال السياسة الداخلية ( وفي مجال الثقافة والإعلام التأكيد على رسم سياسة متكاملة في مختلف قطاعات الثقافة والإعلام والتوجيه داخل الحزب والمنظمات الشعبية) .

مما سبق يمكننا أن نخلص لحصر الضوابط التي حددها المشرع بهذا الخصوص على الشكل الآتي :

1- ضوابط أحالها المشرع إلى التشريع العادي على ألا ترقى إلى درجة تقييد الحرية أو مصادرتها .

2- ضوابط أجازها المشرع لتقييد الحرية في زمن الطوارئ أو الحرب في الأمور التي تتصل بالسلامة العامة والأمن القومي على أن يكون ذلك بقانون .

3- ضوابط موضوعية تضمنها الدستور ذاته كالنص على أن تمارس الصحافة رسالتها في إطار المقومات الأساسية للمجتمع والحفاظ على الحقوق والحريات وحرمة الحياة الخاصة .

وأياً كانت ملاحظاتنا حول تقييم هذه الضوابط يبقى المعيار الأساسي للحكم على حرية الصحافة من خلال التشريع العادي وما يتضمنه من قيود وعقوبات والممارسات الفعلية لحرية الصحافة ومدى تسامح السلطة السياسية مع هذه الممارسات ومدى تجاوبها مع ما تطرحه من حقائق تكشف أوجه القصور والانحراف وما تقدمه من أفكار لتحقيق الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي .

تاريخ حرية الصحافة :

إن تاريخ حرية الصحافة هو تاريخ الصراع بين الصحف الحرة والسلطات التي سعت إلى قمع الحريات حماية لمصالحها وتكريساً لنفوذها ولن يتسع المجال هنا لسرد ما واجهته الصحافة من عسف واستبداد وما حققته من مكاسب وانتصارات سواء في الدول الديمقراطية التي بلغت شأناً كبيراً في هذا المجال أو في الدول المتخلفة التي لا تزال صحافتها تخوض صراعاً مريراً من أجل انتزاع حق حرية التعبير ولكن سنكتفي هنا بالتوقف سريعاً عند محطات مختلفة في تاريخ الصحافة في فرنسا وبريطانيا ومصر وبشيء من التفصيل في سوريا .

لقد تعرضت حرية الصحافة في أوربا لضروب من العسف وخلال أكثر من قرن ظلت الصحافة تحت رحمة الكنيسة حتى أن نشر أي مطبوع بغير ترخيص كان يعاقب عليه بالموت وقد تحدث عن ذلك المفكر الفرنسي فولتير بقوله : إنك لا يمكن أن تفكر إلا برضاء الملك[8]

وظل هذا الوضع قائماً حتى قيام الثورة الفرنسية حيث زاد عدد الصحف والمطبوعات الدورية من 41 عام 1779 إلى حوالي 1400 عام 1789 ولم يقلص هذا العدد إلا في موجة جديدة من القيود الحكومية تحت حكم نابليون الأول الذي قال عام 1800: ( لو أني تركت الصحافة تفعل ما تريده لخرجت من الحكم في غضون ثلاثة أشهر)[9]

وفي بريطانيا استمر العمل بسياسة تيودور الخاصة بالسيطرة الصارمة طوال القرن السادس عشر وذلك على هيئة امتيازات ملكية وأنظمة للترخيص وأصبحت رسمية عام 1589

ولم يتقرر للصحافة حريتها إلا بعد صدور قانون لورد كامبل عام 1843 الذي جعل إثبات صحة الواقعة دفاعاً مقبولاً في حرية القذف[10]

أما في الولايات المتحدة الأمريكية فقد وضع القضاء الأمريكي أول حجر في بناء حرية الصحافة عام 1734 بالحكم ببراءة صحفي يدعى جون بيتر زنجر من تهمة القذف الثوري في حق حاكم نيويورك الأمر الذي عُد نصراً كبيراً لحرية الصحافة في ذلك الوقت[11]

ورغم اتساع نطاق حرية الصحافة في الدول الغربية المتقدمة إلا أن التشوه أصاب حق الإنسان في التعبير فتحول إلى مجرد الحق في استهلاك المعلومات المتاحة ، وكرد فعل ظهرت الصحافة الطليعية في الولايات المتحدة الأمريكية خلال الستينات وارتفعت أصوات المعارضين على السياسات من خلال معالجة صحفهم للمشاكل المحلية الدقيقة والقضايا السياسية القومية التي تتجاهلها وسائل الإعلام التقليدية، وهذه الصحف دليل على وجود جماعات مستمرة في البحث عن طرق جديدة لتمارس حقها في التعبير[12]

نخلص من هذا إلى أن حرية الصحافة في المجتمعات الغربية مرت بفترات انتكاس وفترات انتعاش وبقدر ما مثلت تهديداً لنظم الحكم القائمة بقدر ما عانت من العسف والقيود إلا أن الحق في حرية التعبير لم يستند فقط إلى ضمانات دستورية وقانونية ولكنه استند في الأساس إلى القيم الديمقراطية وآليات المجتمع الديمقراطي .

وبالعودة إلى تاريخ حرية الصحافة في مصر نجده جزء من تاريخ الحركة الوطنية تدلنا على ذلك مقالات الكتاب الذين نذروا حياتهم وأقلامهم لحرية الصحافة بوصفها جزءاً لا يتجزأ من حرية الوطن.

وقد شهدت مصر أول مظاهرة شعبية يوم الجمعة 26/آذار/1909 للاحتجاج على إعادة قانون المطبوعات .

وكما قضى قانون المطبوعات لعام 1881 على صحافة الثورة العرابية قضى قانون 1909 على صحافة الحزب الوطني بزعامة محمد فريد .

ولم يتوقف الصراع من اجل حرية الصحافة على مدى ما يزيد عن قرن حيث تجددت الأزمات مع تزايد إحساس أنظمة الحكم المختلفة بالخطر من ممارسة الصحافة المصرية لدورها الوطني بحرية ومن ثم توالت التشريعات المقيدة للحرية والمغلظة للعقوبات في عهد حكومات أحمد زيور 1925 واسماعيل صدقي 1939 ومحمد محمود 1931

وعندما تقدم أحد النواب عام 1951 بمشروع قانون استهدف تقييد نشر أخبار القصر الملكي نشطت الأقلام الوطنية والأصوات الحرة داخل البرلمان لإسقاط هذا المشروع ، ورغم ماشهدته الصحافة المصرية خلال الخمسينات والستينات من رقابة وسيطرة حكومية واعتقالات كان الرئيس عبد الناصر حريصاً في كل مناسبة أن يؤكد على حرية الصحافة .

وإذا كان يسجل للرئيس السادات الفضل في إلغاء الرقابة على الصحف فإنه لم يحتمل حرية الصحافة طويلاً فوجهها بسلسلة من القوانين المقيدة بلغت ذروتها بإجراءات سبتمبر 1981 وتشهد الثمانينات والتسعينات هامشاً أوسع في حرية الصحافة تخللته فترات توتر وصدام ورغبة في كبح جماح هذه الحرية عبر عنها القانون 93/1995 الذي سقط بعد أروع ملحمة في النضال من أجل حرية الصحافة وانتصار الصحفيين الذين توحدوا بمختلف تياراتهم واتجاهاتهم ليقفوا بأنفسهم على إنهاء هذه الأزمة [13]

وإذا استعرضنا تاريخ حرية الصحافة في سوريا فإننا نجد[14]بأنها قد مرت بمراحل عديدة ومختلفة ففي عهد السلطان العثماني عبد الحميد
(1839 – 1861 ) أصدر منشور كولخانة عام 1839 ومنشور التنظيمات عام 1856 الخاص بحماية حياة الأفراد والرعايا العثمانيين وحماية أموالهم وقد استرعى انتباه السلطات كثرة الصحف وتعدد المطابع وتقدمها في البلاد الشامية فأصدر في 6 كانون الثاني 1857 لائحة تنظيم الطباعة والصحافة تعد الأولى من نوعها في تاريخ الصحافة العثمانية تحمل في طياتها الردع حتى لا تكون هذه المطابع وسيلة لاضطرابات جديدة .

وفي عهد الصدر الأعظم فؤاد باشا 1861 – 1866 صدر قانون الصحافة العثماني في آب سنة 1865 يتضمن مواد تحد من الحرية الصحفية وأخرى خاصة بالجرائم الصحفية وفي 12/ أيار /1867 أصدر إعلان سلطاني خاص بالصحافة أصدره رئيس الوزراء علي باشا في عهد السلطان عبد العزيز بوثيقة رسمية تمس الحقوق المكتسبة بموجب قانون الصحافة فأصبحت الحكومة تلجأ إلى إلغاء وإبطال القوانين المصرح بها رسمياً وفق ما تتطلبه المصلحة العامة وحينما اعتلى السلطان عبد الحميد العرش العثماني (1876–1908 ) أنعم على رعاياه بالدستور المشهور ( 2 تشرين الثاني 1876 ) والذي قام بإعداده الصدر الأعظم مدحت باشا بمساعدة خليل غانم السوري .

وقد اعترف الدستور في المادة 12 بالحرية الصحفية فجاء فيها
( إن المطبوعات هي حرة ضمن دائرة القانون ) .

كذلك طلب السلطان في دورتين متتاليتين أن يهتم بوضع بعض القوانين العاجلة وعلى الأخص القانون الذي ينظم الصحافة ولكن هذه التصريحات في مجموعها كانت تصريحات أفلاطونية فأوامر السلطات للصدر الأعظم مدحت باشا كانت بكّم الصحافة وإلغاء الصحف التي تصدر عن الأحزاب الداخلية أو طائفية في البلاد العثمانية جميعها .

وفي رسالة أخرى يأمر السلطان عام 1877 بمنع الصحف مستقبلاً سلوك طريق مضاد لإرادته ومقاصد جلالته .

وفي 2/3/1877 أصدر الباب العالي إعلاناً جعل الآستانة والنواحي التي تحكمها تحت الإدارة العرفية بموجب نص المادة 113 من القانون الأساسي الذي جعل المحاكمات تجري أمام مجلس حربي .

وفي عام 1878 تولت وزارة الداخلية المراقبة على الصحافة بعدما أصدرت إدارة المطبوعات إعلاناً بتعطيل قانون المطبوعات وقد وضعت وزارة المعارف العمومية 1880 أسس الرقابة على الصحف نجملها بالنقاط العشر الآتية :

1- يجب على الصحف أولاً إعلام الشعب عن صحة السلطان الغالية وبعدئذٍ يمكنها الكتابة عن الإنتاج الزراعي وعن الرقي التجاري والصناعة الإمبراطورية .

2- لا يجوز نشر أي مقال أو خبر قبل أخذ موافقة وزارة المعارف ويستثنى من ذلك القضايا التي لا تتعارض مع الوجهة الاجتماعية .

3- ممنوع نشر المقالات الطويلة لأي موضوع أخلاقي أو اجتماعي .

4- ممنوع استعمال عبارة البقية تأتي أو يتبع أو للبحث صلة أو البقية في العدد القادم أو أي إشارة إلى أن المقال غير كامل .

5- ممنوع ترك فراغ في الجريدة أو استعمال نقط بدلاً من فقرات حذفتها الرقابة لأن في ذلك تشويشاً ويترك مجالاً للتأويل من الرأي العام .

6- لا يجوز انتقاد الشخصيات الكبيرة الرسمية وإذا اتهم حاكم بسرقة فلا ينشر شيء من هذا وإذا اتهم برشوة فلا يشار إلى النبأ وإذا قتل الحاكم أو الموظف الكبير فيحذف أي تلميح بأنه مات بطريقة غير عادية بل يكتفى بأن ينشر أنه توفي إلى رحمة الله .

7 – لا يجوز نشر أي شكوى من تصرفات الحكومة حتى ولا يجوز نشر أن هذه الشكاوى اتصلت بمعالم جلالة السلطان .  

8 – لا يجوز نشر أي أنباء عن ثورات في داخل السلطنة أو عن ثورات تاريخية ضد أي ملك من الملوك .

9 – لا يجوز نشر أية هزائم أصابت جيش السلطنة ولا أي انتصارات انتصرها الأعداء ولا يجوز تعظيم أي قائد من قواد العدو .

10 – لا يجوز نشر أسماء أعداء جلالة السلطان ولا الإشارة إليهم.

وكان مكتب الصحافة التابع لإدارة المعارف في الولايات يسهر ويراقب الصحف وكانت العقوبات إنذار – ثلاث إنذارات –
تعطيل – ثم إغلاق ويبت به بإدارة سلطانية .

وفي عام 1894 أصدر السلطان عبد الحميد قانوناً جديداً للصحافة بدافع الحد من حرية الطباعة فنصت مواده على وجوب وجود نظام التصريح لافتتاح مطبعة مع ذكر الاسم واللقب وعنوان المطبعة ومكانها والملفات التي تطبع بها وأن يتعهد صاحب الطلب بعدم طبع مؤلفات ضارة .

وفي 25 تموز 1908 حدث انقلاب في السلطنة ومن ثمّ إعلان الدستور وأخذت الصحافة تظهر وتنتشر في الولايات بعد رفع الرقابة عن الصحف لترتفع عدد الصحف في سوريا من 17 صحيفة إلى29.

وفي عام 1912 قام مجلس النواب العثماني بتعديل بعض مواد قانون المطبوعات المذكور وبعد انتهاء الحكم العثماني للبلاد اهتم الحكم الفيصلي بالصحافة الوطنية واستطاعت الصحافة خلالها من ممارسة حياتها الطبيعية فألفت الحكومة الرقابة وأصدرت يوم الاثنين 7 أيار 1920 بياناً إلى الصحف جاء فيه :

" تطلب مديرية المطبوعات إلى كل واحد من أصحاب الجرائد أن يحضر الرخصة الرسمية الممنوحة لجريدته وذلك لتقيد في إدارة المطبوعات حسب المادة المؤقتة المؤرخة في 19/ رجب / 1327 نظراً لتشكيل إدارة المطبوعات أخيراً . وأن تعطي كل جريدة نسختين موقع عليهما من مديرها المسؤول يومياً بحسب المادة /8/ من القانون المذكور وعين بأمر ملكي السيد عبد القادر العظم لتأسيس وتنظيم مديرية المطبوعات ".

كما وجهت مديرية المطبوعات بلاغاً معطوفاً على إشعار وزارة الداخلية يوجب على أصحاب الصحف إرسال نسخة يومياً إلى دائرة الاستخبارات الفرنسية في النادي العربي .

وبعد أن احتلت فرنسا سوريا فرضت في 27 تموز 1920 الرقابة على الصحف وعلى جميع الرسائل التي تأتي من الخارج وأصبحت الرقابة أشد بعد أن أصبح حقي العظم حاكم لدمشق حتى منعت الصحافة من ترك بياض في الجريدة يكتب فيه ( حذف بمعرفة الرقابة) بناء على طلب المفوض السامي .

وأصدرت الإدارة الفرنسية أمراً في حزيران 1921 يتضمن قرار برقم 824 يفيد بإنشاء مكتب للصحافة بدمشق وآخر معاون في حلب يلحق بالسكرتير العام لمدير قسم الاستخبارات والمطبوعات وكان المكتب يطلب من الحكومة السورية تعطيل الجريدة التي تنشر شيئاً لا يعجب سياسته فإن لم تستجب قام هو بالتعطيل لكن مكتب الصحافة الفرنسي في دمشق وفي بداية عهد المستشار ويغاند ( نيسان 1923) لم يعد يمارس أي نوع من الرقابة على حرية الصحافة مما دفع بالمفوض السامي لإصدار عدة قرارات لإيقاف المراقبة في دمشق والعودة لتطبيق قانون المطبوعات العثماني لعام 1327 هـ والقانون الخاص بمحاكمته جرائم المطبوعات عام 1294 هـ  ومعاقبة كل من يمس بسلطة الانتداب بموجب المادة 28 منه وتطبيق المادة 17 من قانون 1327 هـ على الجنايات والجنح المقترفة بحق السلطات .

وفي 8 أيار 1924 وتحت رقم 970 صدر قانون رقم 2630 تاريخ 27 أيار 1924 يتضمن قيوداً جديدة على الصحافة نظمت مواده جرائم التحريض على الفتن والثورة ضد قوات الانتداب وقد أعطت السلطة الفرنسية بموجب القانون الجديد لنفسها حق معاقبة فاعلي ومرتكبي الجرائم التي تمس العلاقات الخارجية والاتصالات مع الدول الأجنبية والدفاع عن الأراضي المنتدبة ومعاقبة الجرائم المرتكبة ضد أمن الجيش ويختص المجلس الحربي بموجب قانون العدل العسكري بمحاكمة الصحفيين والصحف التي ترتكب جرائم ضد سلامة الجيش وأمنه ونصت مواده على معاقبة التحريض على الفرار والعصيان بواسطة الكتابات أو المطبوعات المباعة من ستة أشهر إلى سنتين وغرامة من 5 – 500 ل.س وذلك أمام المجلس الحربي .

وكذلك معاقبة من يرى الجرائد والمجلات إذا نشروا أخبار غير مسموح بها تتعلق بالتحركات العسكرية ( غرامة من 5 – 200 ل.س) .

وحظر القانون نشر مناقشات مجالس الحرب وعاقب على ذلك بغرامة من 5 – 100 ل.س كذلك إهانة شخص أو هيئة والطعن بواسطة كتابات أو مطبوعات ضد الرسميين الأجانب والمفوض السامي وذلك بالسجن من 8 أيام لسنة وغرامة من 5 – 200 ل.س ويكون ذلك بإقامة دعوى من الفريق المغبون .

أما المادة السابعة من القانون فقد أعطت المفوض السامي حق إصدار القرار اللازم من قبله بعدم إدخال الصحف والمطبوعات تحت طائلة العقوبة بالسحن من 15 يوماً إلى ستة أشهر والغرامة من
 100 – 500 ل.س

كذلك أعطت المادة الثامنة المفوض السامي حق توقيف الجريدة في حالة نشرها مقالات تـُقلق الراحة والأمن العام وتقام الدعوى على المدير ثم الناشر ثم الطابع والعقوبة تتراوح بين 15 يوماً وستة أشهر وغرامة من 100 – 500 ليرة .

وفي 15 نيسان 1925 أصدر وزير داخلية سورية ذيلاً للقرار 169 خاصاً بجرائم النشر يقضي أن يأمر رئيس دولة سورية (صبحي بركات ) وبناء على اقتراح وزير الداخلية بتعطيل أو عدم إدخال كل جريدة أو نشره تنشر مقالات أو أخباراً من شأنها تهييج الرأي العام أو إهانة ( رئيس الدولة وأعضاء الحكومة وأعضاء المجلس التمثيلي وموظفي الدولة ) .

وأصدر المفوض السامي ساراي القرار 302/س تاريخ تشرين الثاني 1925 يمنع بموجبه نشر المطبوعات وتحريم توزعها إلا إذا كانت معدة للبيع وتعرض في محلات عامة ويعاقب القرار على المطبوعات التي تنقل خفية أو بصورة سرية كذلك من ينقل أخباراً خاصة بأشخاص غير ذوي صفة قانونية وكان هذا لمجابهة نشاط الثورة السورية الكبرى .

وأصدر حاكم سورية بييرالب القرار رقم 137 في 23 شباط عام 1927 أخضع بموجبه الصحف للرقابة وفي 26 شباط 1926 أصدر الحاكم العسكري القرار رقم 146 أخضع بموجبه عملية إصدار الصحف اليومية وجميع المطبوعات من أي طبقة كانت للرقابة الفورية من قبل مكتب الصحافة في المفوضية الفرنسية وفروعه وله الحق في الإشراف على كل ما يكتب في الصحف ، ثم أصدرت المفوضية العليا في عهد هنري بونسو قرار برقم 1816 تاريخ 18 شباط 1928 يلغي بموجبه جميع القرارات التي تحد من حرية الصحافة وسلطاتها ويقرر إلغاء المراقبة الواقعة قبل النشر وإخضاع عملية النشر لأحكام المقررات الصادرة في 27 أيار 1924 و20 حزيران 1924 و 18 نيسان 1925 وإلغاء القرار 733 الصادر في آب 1924 عن حاكم دولة حلب .

وأصبحت حرية الصحافة بعد الأربعة أشهر الأولى من صدور القرار لا حدود لها إلا أن حكومة الشيخ تاج الدين الحسيني أصدرت قراراً باسم مجلس الوزراء السوري بترك التعطيل الإداري للصحف المخالفة للقانون الصحفي وإحالة الصحف على المحاكم .

وفي 30/6/1924 صدر قانون المطبوعات الخاص بالاتحاد السوري بالقرار رقم 588 ميز بين الصحافة الدورية والمطبوعات غير الدورية وضمن حرية إصدار وطباعة الكتب والكتيبات ولكنه حذر إصدار الصحف والنشرات الدورية ، ومارست السلطة الانتدابية تطبيق أحكام الرقابة الصحفية بموجب القرار 302 تاريخ 1 تشرين الثاني 1925 وبموجبه تمنع الحكومة وتحرم نشر المطبوعات أو الصحف وتمنع بيعها أو توزيعها وقد أصدر المفوض السامي في
14 أيار 1930 ما سماه القانون الأساسي للدولة الدستور وقد جاء في المادة 16 منه :

( حرية الفكر مكفولة فلكل شخص حق الإعراب عن فكره بالقول والكتابة والخطابة والتصوير ضمن حدود القانون ).

 والمادة 17 منه تنص :

( الصحافة والطباعة حرتان ضمن حدود القانون ) .

ومن المؤكد أن الانتداب الفرنسي قد حمى نفسه بعدة تشريعات صحيفة قبل أن يصدر المادتين الدستوريتين المشار إليهما أعلاه .

وأصدرت الحكومة التاجية في 31 آب عام 1930 ذيلاً لقانون المطبوعات في سورية فجعلت الرقابة على الصحف من خصائص المكتب الوطنية بدمشق أو مصلحة المعارف بحلب ، بعد أن طالبت أصحاب المطابع بإيداع نسختين من كل مطبوع لديهما .

أصبح الحكم في بداية 1934 بعد تعطيل المجلس النيابي بواسطة المراسيم الاشتراعية التي يصدق عليها المفوض السامي وانتهى أمر الدستور وكان التعطيل الإداري للصحف بين عامي 1930 – 1936 على أشده لتخطي أيام الحكم الوطني من 21 كانون الأول 1936 حتى أول تموز 1939 بحرية واسعة وظل سيف التعطيل الإداري قائم إلى أن نجح الساعون بوجوب تحديد قرار تعطيل الصحيفة مدة هذا التعطيل .

وأصدر الجنرال متلهوزر قراراً برقم 111 تاريخ 22/5/1940 خاص بطبع الصحف والنشرات الدورية فأوجب على الصحف أن تصدر بنصف حجمها بسبب ظروف الحرب الخاصة التي تحد من استيراد الورق ثم فرضت الأحكام العرفية في البلاد التي شكلت نوعاً من الرقابة الشديدة ، وصدر قرار رقم 362 تاريخ 23/11/1940 بتحديد ثمن بيع الصحف كما صدر قرار رقم 345 تا14/12/1940 خاص بحيازة ورق اللفائف وصنعه ونظام شرائه وتوزيعه ثم ألحق بقرار آخر مماثل تاريخ 18/1/1941 بموجب الأمر الإداري
رقم 476 ، كما أصدرت السلطة أمراً إدارياً برقم 67 تاريخ 29/3/1941 يتضمن تنظيم طبع الصحف وبيعها في الأسواق ثم أصدر المفوض السامي
دانتـز أمراً آخر رقم 95 تاريخ 29/4/1941 يتضمن تحديد أسعار الصحف وبيعها .

وفي عام 1941 أصدر خالد العظم مرسوماً اشتراعياً بناءً على قرار المفوضية برقم 10/س تاريخ 19/6/1941 يتضمن تنظيم مراقبة الصحف والمطبوعات أعاد بموجبه بعض القوانين الصحفية المعمول بها إلى فعاليتها الشديدة وقد أنشئت بموجب ذلك دائرة للمطبوعات والرقابة بوزارة الداخلية .

وفي 25 آذار 1943 أصدر الجنرال كاترو ثلاثة قرارات بإعادة تطبيق الدستور وبتنظيم السلطات وتعيين عطا الأيوبي رئيساً للدولة والحكومة وقد اصدر رئيس الدولة مرسوماً تشريعياً برقم 35 في 24/4/1943 يتضمن إعادة تنظيم الصحف في إدارة المطبوعات في وزارة الداخلية وأصدرت حكومته مرسوماً تشريعياً برقم 112 لإحداث دائرة للمطبوعات في وزارة الداخلية ، وأصدرت أيضاً المرسوم رقم 125 تاريخ 22/7/1943 الذي ألغى نظام المطبوعات في دولة العلويين وانضمامها إلى نظام المطبوعات السوري .

وفي عام 1943 جرت انتخابات عامة في البلاد واجتمع المجلس النيابي في 7/8/1943 وانتخب شكري القوتلي  بالإجماع رئيساً للجمهورية ، وألغت في عهده الحكومة الوطنية القرار الصادر في عام 1940 برقم 111 والذي يحد من حجم الصحيفة اليومية بالقرار الجمهوري رقم 235 تاريخ 8/5/1946 ثم ألغيت باقي القوانين المقيدة للحرية الصحفية بمرسوم اشتراعي وأصدرت الحكومة مرسوماً اشتراعياً برقم 50 يتضمن أحكاماً تنظيمية تتصل بالدستور والحريات.

ثم صدر المرسوم التشريعي رقم 8 في 30 آب 1949 أصبحت شؤون المطبوعات عامة تابعة للمديرية العامة للدعاية والأنباء وهي دائرة تابعة لرئاسة مجلس الوزراء جاء في المادة الأولى منه :

" تحدث في رئاسة مجلس الوزراء دائرة تدعى المديرية العامة للدعاية والأنباء ترتبط برئيس مجلس الوزراء مباشرة وتكون مهمتها تنظيم شؤون الدعاية ومكافحة الدعايات الضارة في الداخل والخارج بالتعاون مع الدوائر المختصة " .

ثم تناولت المادة الثانية صلاحيات هذه المديرية مكرسة على توجيه الأفكار في الاتجاه القومي الصحيح والمراقبة الدائمة لكل مطبوعة مرسلة إلى الخارج في الأحوال التي ينص عليها القانون .

ثم اصدر الرئيس هاشم الأتاسي المرسوم التشريعي رقم 53 في 8 تشرين الأول 1949 المتضمن تنفيذ قانون المطبوعات العام المعدل والمتمم بالمرسومين التشريعيين رقم 5 تا 31/12/1949 ورقم 106 تاريخ 13/3/1950 وبالقانون 169 تاريخ 12/5/1954

ويتألف القانون من مقدمة تتضمن أحكاماً عامة م /1-4/ وأربعة أبواب :

الأول : يتعلق بالمطابع والمكتبات / 5 – 14 /

الثاني : الصحف الدورية شروط النشر ، وحماية حق المؤلف ونظام الصحفيين وفيما يحظر نشره والتصحيح والرد /15 – 40 / .

الثالث : استثمار المطبوعات / 46 – 53 / .

الرابع : أحكام جرائم المطبوعات وأصول المحاكمة ، جرائم المطبوعات وعقوبتها وأصول المحاكمة في الجرائم الصحفية ونشر الأحكام المتعلقة .

ونصت المادة الأولى منه على ما يلي :

( إن المطابع والمكتبات والمطبوعات على اختلاف أنواعها حرة ولا تقيد حريتها إلا في نطاق هذا القانون ) لقد جاءت هذه المادة لتتماشى مع النصوص الدستورية والدولية فهي تعبر عن روح ما جاءت به المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 كانون الثاني 1949

كما تكفل مواد الدستور السوري الصادر عام 1950 المعدل والمتمم بالمرسومين رقم 5 تا 31/12/1949 ورقم 106 تا 13/3/1950 وبالقانون 169 تاريخ 12/5/1954 ولا تزال نصوص مواد هذا من القانون مطبقة حتى يومنا هذا وسنعرض لها بشيء من التفصيل فيما بعد لما لها من علاقة ببحثنا  .

بقي لنا أن نذكر أنه ومع بزوغ فجر الثامن من آذار شهدت الصحافة تطوراً كبيراً وملموساً استجابة للواقع الجديد الذي خلفته ظروف التحول الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في القطر ومتطلبات خدمة هذا التحول ومواكبته وهكذا قامت مؤسسات إعلامية جديدة لتؤدي دورها في إطار عمل الوزارة في مجال الصحافة أو نقل الأنباء ، وقد أولت الحركة التصحيحية بقيادة الرئيس حافظ الأسد اهتماماً كبيراً بالصحافة وخلقت لها الظروف الملائمة لتطورها .

وإن كانت حرية الصحافة قد عانت الكثير خلال مسيرتها في سوريا إلى أنها استطاعت أن تقطع شوطاً كبيراً في تحقيق المعنى الشامل والحقيقي لمفهومها .

أبعاد حرية الصحافة :

رأينا فيما سبق أن حرية الصحافة لا تتحقق فقط بالقواعد الدستورية والمواثيق الدولية والضمانات القانونية وإنما يتعين توافر عناصر أو أبعاداً سياسية تعيننا على قياس درجة الحرية التي تتمتع بها حرية الصحافة .

ورغم ما يثار من اختلاف حول مفهوم حرية الصحافة ومقاييسها وفق اختلاف النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية فإن الحق في حرية الاتصال والحق في حرية التعبير يمثلان المعيار الأساسي لتحقيق ديمقراطية الاتصال وتحديد عناصرها وأبعادها ولقد أسفرت مؤتمرات اليونسكو والجهود الفردية لبعض علماء الاتصال في تحديد أبرز مقومات الحق في الاتصال على النحو التالي:[15]

1- الحق في المشاركة 2- الحق في تلقي المعلومات 3- الحق في الإعلام 4- الحق في الانتفاع بموارد الاتصال .

 وتتمثل مستويات الحق في الاتصال في ثلاث مستويات هي :[16]

المستوى الأول : حقوق الأفراد وتشمل الحق في المعرفة والتعبير والحرمة الشخصية .

المستوى الثاني : حقوق وسائل الاتصال وتشمل الوصول إلى مصادر المعلومات وحرية الرأي والتعبير والحق في النشر والمحافظة على سر المهنة وحرية الحركة والنقل .

المستوى الثالث : حقوق الأمم في الاتصال وتشمل الحق في نشر المعلومات والتداول الحر والمتوازن للمعلومات وصون الذاتية الثقافية والتبادل الثقافي والحق في استيفاء المعلومات وحرية الرأي والتعبيـر وحق التصحيح وحق الرد .

وهكذا نلاحظ التداخل بين المستويات الثلاثة الأمر الذي يحتم التوازن بين حقوق الأفراد والإعلاميين والمجتمعات ومن ثم يصبح انتهاك أي حق من هذه الحقوق انتقاصاً من حرية الاتصال وحرية الصحافة .

وطبقاً للتعريف الذي أورده المعهد الدولي للصحافة في زيورخ لحرية الصحافة فإن أبعاد حرية الصحافة على النحو التالي:[17]

1- حرية استقاء الأخبار .

2- حرية نقل الأخبار .

3- حرية إصدار الصحف .

4 – حرية التعبير عن وجهات النظر .

وإن كانت هذه الأبعاد شاملة بعض الشيء فلا ضير أن نضيف عليها البعدين التاليين وهما :

1- التـزام القواعد الدستورية والنصوص القانونية لحرية الصحافة بالمواثيق الدولية والحريات ومراقبة تنفيذها .

2- تجاوب السلطة السياسية مع حرية الصحافة من خلال إصلاح سياستها فلا تصبح حرية الصحافة مجرد تنفيس وفرز للأصوات الرافضة والمعارضة .



[1]           المادة (3) من قانون الصحافة اليمني عرفت حرية الصحافة بأنها حرية المعرفة والفكر والاقتصاد والحصول على المعلومات باعتبارها حقاً من حقوق المواطنين لضمان الإعراب عن الفكر بالقول والكتابة أو التصوير أو بأي وسيلة أخرى من وسائل التعبيـر .

[2]           حرية التعبير في مجتمع مفتوح ص 11 – 12 رودني أسموللا .

[3]      جمال العطيفي، ص 19 ، حرية الصحافة وفق التشريعات المصرية .

[4]      صلاح الدين حافظ ، ص 44 ، أحزان حرية الصحافة .

[5]      دور الإعلام في العالم الثالث مايكل هايت ص 156 – 158

[6]      أهداف نظم الإعلام وأدوارها في نظم الإعلام المقارنة ، ص 48 ، مارتن جون وشودري أنجوجروفن .

[7]      حرية الصحافة من منظور حقوق الإنسان محمد السيد سعيد ، ص 11 – 12 مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان .

[8]      جمال الدين العطيفي، ص 20 ، حرية الصحافة وفق التشريعات المصرية .

[9]      حرية الصحافة في المجتمعات الغربية ، ص 411 ، هانوهاردت .

3     لمزيد من التفاصيل ، راجع عبد الله البستاني ، حرية الصحافة ص 88 ، وجمال الدين العطيفي، ص 21 – 22 وهانوهاردت ص 416

 

[11]     دكتور جمال الدين العطيفي، ص 21 ، حرية الصحافة وفق التشريعات المصرية .

[12]     هانوهاردت ص 421 – 422 ، حرية الصحافة في المجتمعات الغربية .

[13]     حرية الصحافة ، الدكتور محمد سعيد إبراهيم ، ص 37

[14]     تاريخ حرية الصحافة السورية في مائة عام ، الدكتور جوزيف الياس .

[15]     عواطف عبد الرحمن ، ص 29 ، القائم بالاتصال في الصحافة المصرية .

[16]     نفس المرجع السابق ص 29 – 30

[17]     جيهان المكاوي ، ص 63 ، حرية الفرد وحرية الصحافة .