Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

الباب الأول

حرية الصحافة وسياسات التشريع في سوريا

 

 

الفصل الأول  : التطور التاريخي لمفهوم حرية الصحافة

الفصل الثاني : النـــظــــــــام الصحفـــي الســــــــــوري

الفصل الثالث : حرية الصحافة النظام القانوني السوري

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول

التطور التاريخي لمفهوم حرية الصحافة

 


            بالرغم مما تثيره حرية الصحافة من جدل حول مفهومها وأبعادها وحدودها وشروطها إلا أن هناك مجموعة

 من البديهيات التي لا تحتمل الجدل أو التأويل وهي :

 

1-    ليست هناك حرية صحافة مطلقة فالحرية نسبية وتحكمها ضوابط دينية وأخلاقية واجتماعية وتتحدد                                                                                                                                 درجاتها بمقدار التسامح القوى المهيمنة على شؤون الصحافة .

 

2-     حرية الصحافة ليست حقاً فردياً أو امتياز للصحفيين بل هي حق لكافة المواطنين وجزء لا يتجزأ                                                                                                                                         من الحريات العامة وحقوق الإنسان .

 

 

3-     حرية الصحافة ليست منحة من أحد وإنما حق تم انتـزاعه عبر تاريخ طويل من النضال من أجل                                                                                                                                       التحرر والاستقلال والإصلاح الاجتماعي والسياسي .

 

4-     إن العبرة ليست بالقواعد الدستورية والنصوص القانونية المنظمة لحقوق الصحافة وإنما العبرة                                                                                                                                         باحترامها وتطبيقها وإلا أصبحت حبراً على ورق .

 

 

 

*   إن التلويح بشعارات الأمن القومي والسلام الاجتماعي والتنمية والاستقرار تعكس رغبة في الانتقاص                                                                                                                                     من حرية الصحافة وتحويلها إلى مجرد ممارسات شكلية وهمية لتجميل الوجه الديمقراطي للسلطة .

 

*    إن حرية الصحافة ليست غاية في حد ذاتها بل وسيلة لمراقبة السلطة وإصلاح المجتمع وخدمة                                                                                                                                         الإنسان وتطويره .          

 

*   وفي هذا الإطار يمكننا أن نختزل قضية حرية الصحافة في ثلاثة أسئلة هي :

 

التحرر من ماذا ؟       والحرية لمن ؟          ولأي هدف ؟

 

ولعلنا نستطيع الوصول إلى إجابات شافية لهذه التساؤلات عبر هذا الفصل الذي نعرض فيه لتراث الحرية

 

في الحضارة القديمة والحديثة والتطور التاريخي لمفهوم حرية الصحافة وأبعادها .

 

المبحث الأول

مفهوم الحرية

 

الحرية لغة هي حالة الكائن الحي الذي لا يخضع لقهر أو

 

غلبة ، أي يتصرف طبقاً لإرادته وطبيعته[1]

 

 

وبالمعنى البيولوجي هي فقدان الإرغام والقهر .

 

 

وبالمعنى النفسي هي القدرة على الاختيار .

 

 

وبينما يقول أفلاطون إننا لا نعني الحرية حين تقع تحت وطأة الرغبات يرى كانت أن الحرية هي قانون

 

 

العقل ويشير فيختة إلى أن الحرية هي استقلالية الذات وتحقيق لسعادة الإنسان ويؤكد ديكارت أن حرية

 

 

اللامبالاة هي أدنى أنواع الحرية ومن ثم فإن الحرية هي وجود إنساني وفعل إنساني ولا حرية إلاّ بالنضال

 

 

أي بتحقيق الذات وانتزاع الحرية من براثن الأفكار والسذاجة والجهالة[2]

 

 

 

وأياً كان الأمر فإن ثنائية الحرية والسلطة أو الحرية والاستبداد وما ترتب عليها من صراع سياسي

 

واجتماعي قد أسهمت في تحويل مفهوم الحرية من مجرد فكرة تجريدية إلى حق من حقوق الإنسان تكفله

 

المواثيق الدولية والدساتير وترعاه التنظيمات السياسية والشعبية المعنية بالحريات وحقوق الإنسان .

 

 

ومن ثنائية الحرية والسلطة إلى ثنائية الحرية والقانون حيث تبرز أهمية اللقاء بين القاعدة القانونية وبين

 

 

حرية الفرد فالقانون لا يتوجه إلى مجتمع يسعى إلى تنظيمه تنظيماً مجرداً وإنما يتوجه إلى مجتمع مكون من

 

 

أفراد ويبحث عن وسيلة لتحقيق الانسجام بينهما[3]

 

 

وهكذا تتضح أهمية التوازن بين الحريات والمقومات الأساسية للمجتمع فلا نجور على الحرية باسم المصلحة

 

العامة أو الحريات الشخصية ولا تجور الحرية على القيم الدينية والأخلاقية وتتحول إلى أداة إفساد

 

وتدمير وانحلال .

 

حرية الرأي :

 

للحريات تقسيمات مختلفة لعل أبسطها هو تقسيمها إلى حريات شخصية وحريات عامة فمثال الحريات

الشخصية حرية السكن – حرية العقيدة – حرية الإقامة والتنقل ومثال الحريات العامة حرية الرأي – حرية

البحث العلمي – حرية الصحافة – حرية الاجتماع والذي يعنينا هنا حرية الرأي التي تعتبر حرية الصحافة

إحدى صورها وعليه فإننا سننطلق من الكل إلى الجزء ونعرض للتطور التاريخي لمفهوم حرية الرأي كمقدمة

للتطور التاريخي لمفهوم حرية الصحافة .

 

ونبدأ من المجتمع المصري القديم حيث تحفظ لنا أوراق البردى في المتحف البريطاني قصة الفلاح المصري

الفصيح الذي مارس حق النقد وحرية التعبير في مصر الفرعونية قبل 35 قرناً .

كما سجلت إحدى البرديات متحف تورين أول إضراب للعمال في التاريخ وقع عام 1970 ق.م[4] غير أن هذا

لا يعد شهادة على قيام حكم ديمقراطي في مصر الفرعونية التي عانت كثيراً من الظلم والاستبداد .

وفي التراث الإغريقي كانت فكرة التسامح هي الأساس لفكرة حرية التعبير إلا أن الحرية كانت فقط للملوك

والإقطاعيين والكنيسة فحكم على سقراط بأن يموت متجرعاً السم ثم حكم على أرسطو بالموت وأعدم

أنطيفون مؤسس علم البلاغة الأثيني وقتل المقدونيون السياسي والخطيب ويموسثينس[5]

فكانت الديمقراطية الأثينية ديمقراطية الأسياد في مواجهة العبيد الذين لم يكن لهم أي حقوق ، وكما عرف

الإغريق نظرية الحق الطبيعي التي ترى أن حقوق الإنسان ثابتة ودائمة ومطلقة ولا تزول إلا بزوال الإنسان

نفسه ، كما أسهم الرومان في تقنين هذه النظرية وتدقيقها لتصبح مواثيقها أصلاً تقتبس منه معظم الدساتير

والقوانين[6] وبعد ظهور المسيحية واجهت حرية الرأي اضطهاداً وعسفاً أدى إلى ضمورها فأخذت من السيف

والطغيان وسيلة لمواجهة خصومها وكأنها تنتقم لنفسها من ذلك العنت الذي ساقه إليها خصومها من قبل .

 

فعلى مدى خمسة عشر قرناً عانت الشعوب الأوربية من تحالف الكنيسة والدولة تحت اسم " الحق الإلهي " و "

نظام التفتيش " الذي كان يكفل للكنيسة الدخول في مواطن اختلاء الناس بنفوسهم ، وخلال القرنين الرابع عشر

والخامس عشر زاد النقد الموجه للكنيسة والإقطاع على هيئة صور وأغاني وكتيبات ، وبعد اكتشاف الطباعة

أصبح الشغل الشاغل للكنيسة والدولة الرقابة وفهرسة الكتب الممنوعة وإحراقها وإعدام مستورديها وحرمان

الأفراد الذين يخالفون أوامرها من حق إصدار الكتب والمطبوعات[7].

 

وتواصلت حركة الإصلاح الديني في أوربا بهدف التحرر من سلطة الكنيسة وقدم كبار المفكرين والكتاب

 

الغربيين أمثال توماس هوبس – ميلتون – ديفيد هيوم – جون ستيوارت ميل – لوك – روسو – جيفرسون

 

*   فولتير ، الأساس الفكري للحقوق والحريات التي عجلت بالثورات التي قامت في بريطانيا وأمريكا وفرنسا

 

وغيرها من الدول الأوربية خلال الفترة 1776 إلى 1848 وعبرت عنها وثيقة الحقوق الإنكليزية 1688

 

وإعلان الاستقلال الأمريكي 1776 وإعلان حقوق الإنسان الفرنسي 1789 [8]وإذا كانت الحضارة الغربية قد

نجحت في انتـزاع الحرية من بين أنياب الكنيسة والإقطاع فإن الذين جنوا ثمار الحرية كانوا في الغالب من

الطبقة البرجوازية لتصبح الدولة أداة للتعسف في يد إحدى الطبقات ، فعلى مدى قرن كامل بعد الاستقلال أبقت

أمريكا على نظام العبيد للزنوج ، وفي فرنسا تناقض الدستور مع وثيقة حقوق الإنسان حيث جعل من شروط

الترشيح البرلماني امتلاك ثروة معينة .

 

ولم تكن الحضارة الإسلامية بمنأى عن حركات النضال من أجل الحرية حيث تحفل بقرآن يعلي من شأن

الحرية ولا أدل على ذلك أن الإسلام على عكس اليهودية والمسيحية يعترف بكل الأنبياء والأديان ويقر حرية

التعدد والاختلاف .

 

ويظهر لنا إعجاز الشريعة في تقريرها لنظرية الحرية التي لم تقررها القوانين الوضعية إلا في أواخر القرن

الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر[9]

 

والحرية في الشريعة الإسلامية أصل عام يمتد إلى كل مجالات الحياة فليس هناك حرية من الحريات لم يتم

تعريفها ، وليس هناك حرية تدعو إليها الحاجة مستقبلاً وتقف عقبة في سبيلها ، فكانت الحرية قيمة إسلامية

ملزمة وفطرة مما فطر الله الناس عليها تؤكدها سيرة رسل الله وتثبتها نصوص القرآن والسنة .

 

والحرية السياسية فرع لأصل عام هو حرية الاختيار ففي الحديث ( لايكن أحدكم إمعة يقول مع الناس إن

 

أحسن الناس أحسنت وإن أساؤوا أسأت ) .

 

كما يقول صلى الله عليه وسلم ( أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ) .

ويقول الله تعالى في سورة التوبة ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون

عن المنكر)[10]

 

ويقول عليه الصلاة والسلام ( إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه ) .

 

والشريعة الإسلامية إذ تقرر الحرية لا تعني إطلاق هذه الحرية بغير قيود أو حدود ، فالحرية تعني أن تجد

حداً لها فيما يكفل لكل فرد أن يتمتع بحريته إزاء أخيه وتجد حداً لها فيما يكفل لمصالح المجتمع ألا تتعرض

للخطر[11].

 

وتتمثل الضوابط التي وضعها الشريعة الإسلامية لحرية

الرأي في النقاط التالية :[12]

1-    لا يجوز استخدام حرية الرأي لهدم دعائم النظام الإسلامي أو إلى نشر الإلحاد أو الأهواء أو الضلالة أو البدع .

2-              لا مجال لحرية الرأي إذا ما استهدفت الفتنة أو الفرقة .

3-              عدم الاعتداء على الأخلاق أو الآداب أو النظام العام .

4-              عدم تناول الناس بفحش القول أو الخوض في أعراضهم وأسرارهم .

5-              عدم جواز المراء والمجادلة .

وبقدر ما التزمت الدولة الإسلامية بالحرية والاجتهاد والتسامح بقدر ما تقدمت وصارت عواصمها منارة للفكر والعلم .

وبقدر ما انتهكت هذه المبادئ بقدر ما تراجعت وتفككت وإنهارت ولا ينبغي أن تغيب عن أذهان دعاة الحرية الفكرية والسياسية التي تستند إلى الإسلام حقيقة تشهد عليها تاريخ البشرية في مختلف أديانها وهي أن أسوأ صور الظلم وأفدحها ما كان مستنداً إلى نظرة دينية يساء فيها استخدام نصوص الدين بتأويلها وفق أهواء الظالمين أو يدس على الدين ما ليس منه .

وإن كان تأويل النصوص الدينية والانحراف في تطبيقها قد أصاب العديد من المجتمعات بالركود والتخلف فإن التمرد عليها وإنكارها قد أصاب حرية الرأي بالترهل والشذوذ فأصبحت سلاحاً ضد الفضائل والعادات والتقاليد والأعراف والبناء العائلي والاجتماعي ، وإذا انهدم البناء الأسري والاجتماعي انهدم كل شيء .

ـ نخلص مما سبق إلى أن حرية الرأي والتعبير ليست اختراعاً غريباً أو فكرة مستحدثة وإنما هي مورث إنساني وفطرة بشرية وحق وواجب في آن واحد بهدف الحفاظ على الكرامة الإنسانية وحماية المجتمع من التدهور والانهيار .

لقد ارتبطت حرية الرأي والتعبير بفترات التقدم والانتعاش الحضاري في حين اقترن الاستبداد والقهر والطغيان بعصور التخلف والنكوص الحضاري .

بيد أن هذه الحرية وللأسف باتت مهددة بسيادة المفهوم المادي البراجماتي ونزوع ما يسمى بالنظام الدولي الجديد إلى سياسة المعايير المزدوجة ليصبح إحراق الزعيم الروسي بوريس يلتسن للبرلمان السوفييتي قمة الديمقراطية في نظر الغرب الراعي لحقوق الإنسان في حين ينظر إلى قمع الحكومة الصينية لانتفاضة ميدان القبة السماوي على أنها انتهاك لحقوق الإنسان .

ويتراجع حماة الحريات وحقوق الإنسان أمام قتل 200 ألف مسلم واغتصاب 60 ألف امرأة وتشريد 2 مليون إنسان لاجئ في البوسنة في حين تشكل التحالفات وتوقع العقوبات على العراق وليبيا والسودان وكل من يقول لا للتسلط والغطرسة ووفق هذا المفهوم المزاجي للحريات وحقوق الإنسان تصبح الحرية حكراً على الأقوياء ومن يسير في فلكهم وأداة لترسيخ التبعية والعبودية الأمر الذي يصادر حقوق الشعوب المستضعفة في صياغة مجتمعات حرة ومستقلة .


وهكذا تتضح أهمية تساؤلات ثلاثة وهي :

1-    هل التحرر من استبداد الداخل وطغيانه أم من استبداد الخارج وهيمنته أم من كل أشكال القهر والاستبداد والتبعية والتسلط .

2-     وهل الحرية لمن يمتلك القوة والمال أم للمهمشين والمستضعفين أم لكل الفئات والتيارات دون احتكار أو استعباد.

3-              وهل الهدف من الحرية الإصلاح والبناء أم الإفساد والهدم .

 



[1]      المعجم العربي الأساسي أحمد مختار عمر ص 305

[2]      موسوعة الهلال الاشتراكية كامل الزهيري

[3]      حرية الصحافة وفق تشريعات جمهورية مصر العربية ، الطبعة الثانية ، ص 13 – 15

[4]      الكلمة لا تدخل الزنزانة ، الأهرام 15 يونيو 1995 ، عزت السعدني .

[5]      أحزان حرية الصحافة ، صلاح الدين حافظ ، ص 35

[6]      نفس المرجع السابق ، ص 37

[7]      هانو هاردت ص 414 – 416 حرية الصحافة في المجتمعات الغربية ترجمة علي درويش .

3     تضمن إعلان حقوق الإنسان الفرنسي 17 مادة تؤكد مادته الأولى على مفهوم الحرية أما إعلان الاستقلال الأمريكي فقد نص على أن الكونجرس لن يعين قانوناً يقيد من حرية الكلام أو الصحافة.

 

[9]      التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالوضعي ، ص 36 ، عبد القادر عودة .

[10]     الآية رقم 70 سورة التوربة .

[11]     فن الحكم في الإسلام ، ص 481 ، مصطفى أبو زيد فهمي .

[12]     الحريات العامة في الفكر والنظام السياسي في الإسلام ، ص 472 ، عبد الحكيم حسن .